أوسكار نيوز/ سوريا
إعداد/ علاء عبد العزيز الطويل
لم يكن الجدل الذي أثارته تصريحات حسين الشرع، والد الرئيس السوري أحمد الشرع، حدثاً عابراً في الشارع السوري، بل تحوّل خلال ساعات إلى قضية رأي عام أعادت فتح ملفات حساسة تتعلق بعلاقة السلطة بالمجتمع، وحدود الخطاب السياسي والاجتماعي في سوريا الجديدة.
فبعد انتشار مقطع مصوّر نُسب إلى حسين الشرع تضمّن أوصافاً اعتبرها أبناء دير الزور “مسيئة” و”مستفزة”، تصاعد الغضب الشعبي في المحافظة، وسط دعوات عشائرية وشعبية لرد اعتبار أبناء المنطقة ورفض أي خطاب مناطقي أو تمييزي، خصوصاً أن دير الزور دفعت خلال سنوات الحرب أثماناً باهظة على المستويات الإنسانية والعسكرية والاقتصادية.
لكن ما جعل القضية تأخذ بعداً سياسياً أوسع، لم يكن التصريحات نفسها، بل طريقة تعامل الرئاسة السورية معها. إذ سارع الرئيس السوري إلى إجراء اتصال مع محافظ دير الزور وعدد من وجهاء المحافظة، مؤكداً أن “أهل الدير حبايبنا وعزوتنا وتاج على الرأس”، وأن الإساءة “جرحته شخصياً قبل أن تجرح أبناء المحافظة”، في موقف وصفه كثيرون بأنه محاولة سريعة لاحتواء الأزمة ومنع تحولها إلى شرخ اجتماعي وسياسي أوسع.
المقارنة التي حضرت بقوة في النقاش السوري كانت مع ما جرى في محافظة درعا عام 2011، حين رفضت السلطة السورية آنذاك تقديم أي اعتذار بعد حادثة اعتقال أطفال كتبوا شعارات مناهضة للنظام، وما تبع ذلك من تعامل أمني متشدد ساهم في تفجير الاحتجاجات وتحويلها إلى أزمة وطنية مفتوحة.
واليوم، يرى مراقبون أن سرعة الاعتذار والاحتواء في قضية دير الزور تعكس محاولة واضحة لتقديم نموذج سياسي مختلف، يقوم على امتصاص التوتر بدلاً من تكريسه.
ويرى محللون أن دير الزور ليست مجرد محافظة عادية في الحسابات السورية؛ فهي تمثل ثقلاً عشائرياً واجتماعياً واسعاً، إضافة إلى موقعها الاستراتيجي وثرواتها النفطية وتعقيداتها الأمنية، ما يجعل أي توتر فيها قابلاً للتحول إلى أزمة أكبر إذا لم يتم احتواؤه سريعاً. لذلك، جاء تدخل الرئاسة السورية في إطار إدراك حساسية المرحلة الانتقالية، خاصة في ظل سعي السلطة الجديدة إلى بناء خطاب وطني أقل صدامية وأكثر قرباً من المزاج الشعبي.
في المقابل، لم تخلُ الساحة من أصوات اعتبرت أن الاعتذار، رغم أهميته، لا يكفي وحده لمعالجة التوترات المتراكمة بين المركز والمناطق السورية المختلفة، وأن المطلوب هو ترسيخ ثقافة سياسية جديدة تقوم على احترام التنوع الاجتماعي والمناطقي، وإنهاء أي خطاب يحمل نزعة فوقية أو تمييزية، سواء صدر عن شخصيات رسمية أو مقربة من السلطة.
وبين درعا الأمس ودير الزور اليوم، تبدو سوريا أمام اختبار سياسي واجتماعي جديد: هل تتحول ثقافة الاعتذار والاحتواء إلى نهج دائم في إدارة الأزمات، أم تبقى مجرد استجابة ظرفية لامتصاص الغضب الشعبي؟ سؤال لا يزال مفتوحاً في بلد لم ينسَ بعد كيف بدأت شرارة الانفجار الأولى.