سلطة التقدير في شوارع اللاذقية: حين يغيب التناسب القانوني وتتحول المخالفة الإدارية إلى توقيف احترازي - أوسكار نيوز

حين تصبح اللوحة المشوهة أو لاصق الزجاج في اللاذقية ذريعة للتوقيف وحجز الحرية لثلاثة أيام كاملة تخرج المسألة من سياق الضبط الإداري البحت لتسكن في مساحات التساؤل المشروعة حول مدى التناسب بين المخالفة الشكلية والإجراء الردعي القاصم لأمن المواطن.

سلطة التقدير في شوارع اللاذقية: حين يغيب التناسب القانوني وتتحول المخالفة الإدارية إلى توقيف احترازي - أوسكار نيوز

أوسكار نيوز/ اللاذقية
إعداد/ بشرى الموسى
في فلسفة القانون وُجدت العقوبة لتقويم السلوك لا لكسر الهيبة، ووُضع التنظيم المروري لضمان سلامة الشارع وبسط النظام لا لتحويل تفاصيله اليومية إلى مأزق يُهدد الاستقرار النفسي والاجتماعي للأفراد.
وحين تصبح تفاصيل مادية بسيطة في اللاذقية ذريعةً كافية لتوقيف مواطن وحجز حريته لثلاثة أيام كاملة تخرج المسألة من سياق الضبط الإداري البحت لتسكن في مساحات التساؤل المشروعة حول مدى التناسب بين المخالفة الشكليّة والإجراء الردعي.
مؤخراً يتردد في أروقة الشارع الساحلي صدى إجراءات حازمة تقودها الجهات المحلية الضابطة للشارع في محافظة اللاذقية تتلخص في توقيف السائق وحجز مركبته لمدة 72 ساعة في حالتين وجود أي تشويه أو عدم وضوح في لوحة الأرقام أو وضع عازل رؤية فيميه على الزجاج.
المفارقة هنا ليست في منع المخالفة فالتزام القانون واجب وهيبة الدولة في الشارع خط أحمر لا نقاش فيه وفرض النظام هو مطلب مجتمعي أولاً وأخيراً،لكن التساؤل الحقوقي يكمن في التباين البنيوي بين مخالفة مسلكية مظهرية ناتجة عن عارض مادي وبين الجريمة الجنائية المقترنة بالنية الجرمية المسبقة وفي مدى توفر مرونة التمييز بين الأسباب والظروف.
سؤال المنطق والتشريع... التشويه العرضي ليس تزويراً بالضرورة
لوحة السيارة قد تتعرض لألف سبب وسبب يجعلها غير واضحة منها عوامل الطقس والحرارة الرطبة المميزة للمدن الساحلية أو الاحتكاك العرضي غير المقصود أو حتى عيب في طبيعة تصنيع اللوحة ونوعية طلائها مع مرور الوقت وهي مجموعة من الظروف التي لا يد للمواطن فيها،السائق في هذه الحالة يقود سيارة نظامية وأوراق ثبوتيته حاضرة وجاهزة للتدقيق ولم يحمل يوماً نية التزوير أو التهرب من العدالة.
في النظم القانونية المستقرة ووفقاً لروح قانون السير السوري يتم التعامل مع اللوحة المشوهة عبر فحص ثبوتيات المركبة أولاً فإذا تأكدت الجهات المختصة من مطابقة البيانات وعدم وجود بلاغ سرقة أو جرم يُلزم المواطن بتسوية وضع اللوحة أو استبدالها في مديرية النقل مع فرض الغرامة المقررة.
أما أن يُساق السائق مباشرة إلى التوقيف الاحترازي لـ 72 ساعة في الفروع التنفيذية وأقسام المدينة باللاذقية لمجرد وجود تشويه مادي في اللوحة دون إثبات القصد الجرمي النيّة فهو إجراء يتجاوز منطق افتراض حسن النية ويتحول إلى عبء اجتماعي ونفسي قاصم.
أما قضية الفيميه فرغم أنها مخالفة صريحة تستوجب الإزالة الفورية والغرامة إلا أن علاجها الإداري الواضح ينتهي بمجرد نزع اللاصق في مكان المخالفة ودفع الغرامة المترتبة تشريعياً.
وتحويل هذا السلوك الإداري البسيط إلى مبرر للتوقيف الاحترازي لثلاثة أيام يطرح تساؤلاً جوهرياً حول الأمن القانوني للمواطن كيف يتحقق شعور الاستقرار إذا كان خطأ شكلي عابر يمكن حله بضبط مالي وإجراء تصحيحي فوري كفيلاً بأن يضع مواطناً ذو سجل نظيف خلف القضبان مؤقتاً.
زاوية النظر ما وراء الآلية التنفيذية
تصدير هذا النوع من الإجراءات المحلية المتشددة في اللاذقية يُقرأ في الشارع بأسلوبين الأول محاولة جادة لفرض انضباط حاد وردع عام في بيئة مرورية تحتاج للتنظيم وهو مستهدف إيجابي بلا شك والثاني وهو الأكثر عمقاً اندفاع تنفيذي من بعض القائمين على تطبيق الإجراءات في الشارع يعكس غياب المعايير التفسيرية الواضحة مما يوسع سلطة التقدير الشخصي للدوريات ويفتح الباب أمام تباين التطبيق ويجعل المواطن العادي ذو السجل النظيف يدفع ثمن تدابير حازمة وُجدت أساساً لملاحقة الخارجين عن القانون والفارين حقيقةً من وجه العدالة.
إن قوة أي منظومة ضابطة للشارع تنبع من قدرتها على فرز الخيوط والدقة في التقييم فالأمن يفرض هيبته بالعدل والوضوح والتناسب لا بتحويل المخالف الإداري إلى متهم جنائي.
كرامة المواطن واستقراره هما الغاية الأسمى التي تلتقي عندها القوانين والأنظمة وحين تتساوى الإجراءات المتخذة بحق اللوحة المشوهة أو لاصق الزجاج مع إجراءات ملاحقة القضايا الكبرى فإننا نخشى أن نكون قد أرهقنا روح القانون في فروعنا المحلية بدلاً من تطبيقه. إننا نضع هذه التساؤلات برسم الجهات المعنية وأصحاب القرار لإعادة النظر في آليات التطبيق بما يضمن هيبة الدولة ويصون أمان المواطن في آن معاً.

الكلمات المفتاحية:

الأمن القانوني، مخالفات المرور، التوقيف الاحترازي، اللاذقية، سوريا

التصنيفات:

Syria

جاري التحميل...