أوسكار نيوز/ مقال رأي
بقلم/ يارا عكلة
حمص كمدينة بين طبقات زمنية متداخلة
تُعد مدينة حمص واحدة من المدن السورية التي تحمل تعقيداً عمرانياً واضحاً، ناتجاً عن تراكب طبقات تاريخية متعددة داخل نسيجها الحضري. فهي مدينة تجمع بين أحياء قديمة ذات طابع تراثي، ومناطق حديثة نسبياً تمتاز بتخطيط أكثر انتظاماً، إلى جانب مساحات واسعة تأثرت بشكل مباشر خلال سنوات الحرب، ما أدى إلى خلق حالة من التداخل بين الدمار وإعادة البناء، وبين الفراغ العمراني والعمران الجزئي.
هذا الواقع جعل من حمص مدينة “غير مكتملة الشكل” عمرانياً، لكنها في الوقت نفسه مدينة حيّة تتغير باستمرار، وتعيد إنتاج نفسها بشكل تدريجي وغير متوازن, ومن هنا تأتي أهمية أي مشروع إعادة إعمار يُطرح ضمنها، لأنه لا يتعامل مع أرض فارغة، بل مع نسيج عمراني واجتماعي شديد التعقيد.
في هذا السياق، يبرز مشروع بوليفارد النصر كأحد أهم المشاريع المطروحة لإعادة تنظيم جزء من المدينة، لكنه يفتح في الوقت نفسه باباً واسعاً للنقاش حول طبيعة التحول العمراني في حمص، وحدود التحديث، وعلاقة ذلك بهوية المكان وسكانه.
بوليفارد النصر كمشروع عمراني قيد التشكّل
يُعد مشروع بوليفارد النصر في مدينة حمص مشروعاً عمرانياً مُعلناً ضمن خطط إعادة الإعمار والتطوير الحضري، وقد انطلقت مراحله الأولى عبر إعلان رسمي ووضع حجر الأساس قبل نحو عشرة أشهر. إلا أن المرحلة التنفيذية الفعلية ما تزال في بدايتها، حيث يتركز العمل الحالي على الدراسات التخطيطية، وإعداد المخططات التفصيلية، وبناء الإطار التنظيمي والإداري للمشروع.
يقوم المشروع على مفهوم “البوليفارد الحضري”، الذي يعتمد على إنشاء محور عمراني رئيسي واسع، يضم وظائف متعددة تشمل السكن، والتجارة، والاستثمار، إضافة إلى مساحات عامة وحدائق ومرافق خدمية. ويأتي ذلك ضمن رؤية تهدف إلى إعادة تنظيم جزء من النسيج العمراني للمدينة وتحويله إلى منطقة ذات طابع حضري حديث وأكثر كفاءة في الاستخدام.
ومع ذلك، فإن طبيعة المشروع الحالية تشير إلى أنه لا يزال في مرحلة “التكوين التخطيطي”، أكثر من كونه مشروعاً عمرانياُ دخل مرحلة البناء الشامل، ما يجعله أقرب إلى رؤية تطوير طويلة الأمد تتدرج في التنفيذ.
التحول العمراني بين التحديث وخصوصية الهوية
من الناحية العمرانية، يمثل المشروع محاولة لإدخال نموذج تخطيطي حديث إلى المدينة، يعتمد على إعادة توزيع الكتل العمرانية، وتوسيع المحاور الطرقية، وخلق بيئة حضرية تعتمد على تعدد الوظائف والمساحات المفتوحة.
هذا النوع من التخطيط يرتبط بمفاهيم المدن الحديثة التي تسعى إلى تحسين جودة الحياة الحضرية، وتقليل العشوائية، ورفع كفاءة استخدام الأرض. إلا أن هذا التحول يطرح في المقابل إشكالية أساسية تتعلق بهوية المدينة العمرانية.
فحمص ليست مجرد فضاء هندسي قابل لإعادة التصميم، بل هي نسيج اجتماعي وتاريخي تشكل عبر الزمن، حيث ترتبط الأبنية بالشوارع ليس فقط بوظيفة الاستخدام، بل بالذاكرة اليومية والعلاقات الاجتماعية وأنماط الحياة. وبالتالي فإن أي تدخل عمراني واسع النطاق لا يغيّر الشكل الفيزيائي للمدينة فقط، بل يعيد تشكيل طريقة العيش داخلها.
ومن هنا يظهر التحدي الحقيقي للمشروع: تحقيق توازن دقيق بين التحديث العمراني الضروري من جهة، والحفاظ على الطابع المحلي والمعماري والاجتماعي من جهة أخرى، دون الوقوع في نمط عمراني منفصل عن سياقه الثقافي.
البعد الاجتماعي والملكية وإعادة تعريف العلاقة مع المكان
لا يمكن قراءة مشروع بوليفارد النصر بمعزل عن الجدل المرتبط بملف الملكيات وإعادة تنظيم الأراضي في المناطق المشمولة بالتطوير. فهذا النوع من المشاريع لا يعيد تشكيل الفراغ العمراني فقط، بل يعيد أيضاً تعريف العلاقة بين السكان والمكان.
بالنسبة للسكان، الأرض لا تُختزل بقيمتها العقارية، بل تمثل جزءاً من الذاكرة الشخصية والجماعية، ومجالاً للانتماء والاستقرار الاجتماعي. لذلك فإن أي تغيير جذري في البنية العمرانية يفتح نقاشاً حساساً حول العدالة العمرانية، وحقوق العودة، وآليات التعويض، وكيفية ضمان عدم الإقصاء أو الإزاحة غير المتوازنة للسكان الأصليين.
وفي المقابل، يرى بعض الطروحات العمرانية أن مشاريع إعادة التنظيم الكبرى تمثل فرصة لمعالجة التشوهات العمرانية القديمة، وإعادة توزيع الاستخدامات الأرضية بشكل أكثر كفاءة، خاصة في المناطق التي تعرضت لدمار واسع أو نشوء عشوائيات غير منظمة.
وبين هذين الاتجاهين، يبقى البعد الاجتماعي عنصراً حاسماً في تقييم أي مشروع إعادة إعمار، لأنه يحدد ليس فقط شكل المدينة، بل من يحق له أن يعيش فيها مستقبلاً.
فجوة التنفيذ بين الرؤية والطموح
رغم وضوح الرؤية العمرانية للمشروع، إلا أن الواقع التنفيذي لا يزال محدوداً وبطيئاً، حيث تتركز الجهود الحالية على الدراسات والتخطيط، دون انتقال كامل إلى مرحلة البناء الواسع.
كما يظهر تباين واضح بين الصورة الإعلامية للمشروع، التي تقدم رؤية لمدينة حديثة متكاملة، وبين الواقع الميداني الذي ما يزال في مرحلة التأسيس التدريجي. وهذه الفجوة بين “المخطط” و“المنفذ” ليست حالة استثنائية، بل سمة متكررة في مشاريع إعادة الإعمار الكبرى، حيث تتقدم الرؤية على الإمكانيات التنفيذية المتاحة.
كما أن طبيعة المشروع تعتمد على مراحل طويلة من التطوير، ما يجعل تقييمه في هذه المرحلة المبكرة مرتبطاً أكثر بالاتجاه العام للمخطط، وليس بما تم إنجازه فعلياً على الأرض.
إعادة إعمار المدينة أم إعادة تعريفها؟
يبقى مشروع بوليفارد النصر حالة عمرانية مفتوحة على عدة احتمالات، فهو من جهة يمثل رؤية لتحديث جزء من مدينة حمص وإعادة تنظيمه وفق معايير عمرانية حديثة، لكنه من جهة أخرى يفتح نقاشاً أوسع حول حدود هذا التحديث عندما يلتقي مع هوية المدينة وذاكرتها الاجتماعية.
فإعادة الإعمار، في جوهرها، ليست عملية هندسية فقط، بل هي إعادة بناء للعلاقة بين الإنسان والمكان، وإعادة تعريف للمدينة بوصفها فضاءً للذاكرة والانتماء وليس مجرد مخطط عمراني.
وبين الطموح العمراني والواقع التنفيذي، وبين الرؤية التخطيطية والبعد الاجتماعي، يبقى المشروع معلقاً بين أكثر من قراءة. فهو قد يشكل نقطة تحول في مستقبل حمص العمراني، أو يفتح نقاشاً أوسع حول معنى “تحديث المدن” عندما يتعلق الأمر بمدن تحمل تاريخاً وذاكرة كثيفة.
وفي النهاية، يبقى السؤال:
هل يعيد بوليفارد النصر بناء المدينة… أم يعيد تعريفها؟