أوسكار نيوز/ سوريا
إعداد / بشرى الموسى
في الواحد والعشرين من يونيو 2012، أقلعت طائرة حربية سورية من طراز ميغ-21 في طلعة اعتيادية، قبل أن ينحرف مسارها نحو الجنوب، عابرة الحدود السورية الأردنية، لتحط في قاعدة الملك حسين الجوية بمنطقة المفرق شمال الأردن.
قاد الطائرة العقيد الطيار حسن مرعي الحمادة، الذي طلب اللجوء السياسي في الأردن، في واحدة من أبرز حالات الانشقاق العسكري المرتبطة بالثورة السورية.. ومنذ ذلك اليوم، بقيت المقاتلة خارج سورية، بينما تغيرت خلال أكثر من عقد ملامح المشهد السياسي والعسكري في البلدين.
ومع سقوط نظام الأسد وتشكّل مؤسسة عسكرية سورية جديدة، تعود قصة تلك الطائرة إلى الواجهة من زاوية مختلفة: إذا كانت المقاتلة لا تزال في الأردن، فهل آن أوان إعادة فتح ملف استعادتها؟
الرحلة التي لم تنتهِ في سورية
شهد يوم 21 يونيو 2012 تطوراً عسكرياً لافتاً عندما نفذ العقيد الطيار حسن مرعي الحمادة طلعة جوية بطائرته الميغ-21، قبل أن تتجه المقاتلة نحو الأجواء الأردنية وتهبط بسلام في قاعدة الملك حسين الجوية في المفرق.
وفي اليوم ذاته، أعلنت السلطات الأردنية الموافقة على منح الطيار اللجوء السياسي بناءً على طلبه، لتتحول الحادثة منذ لحظاتها الأولى إلى ملف سياسي وعسكري عابر للحدود، لا مجرد واقعة مرتبطة بطائرة خرجت عن مسارها.
دمشق طالبت بالتعامل مع الطائرة كجزء من ممتلكات الدولة
في أعقاب الحادثة، أصدرت وزارة الدفاع السورية بياناً تناول الواقعة من زاوية فقدان الاتصال بالطائرة وخروجها عن مسارها وصولاً إلى الأراضي الأردنية.
وأدان الموقف الرسمي السوري خطوة الطيار، مشيراً إلى الإجراءات القانونية والعسكرية المتخذة بحقه، كما تعاملت دمشق مع الطائرة باعتبارها جزءاً من مقدرات الدولة العسكرية، وطالبت الجانب الأردني بالتعامل مع ملفها بما يتيح إعادتها إلى سورية.
وبذلك، لم تكن فكرة استعادة المقاتلة جديدة، بل ظهرت منذ الأيام الأولى للحادثة، قبل أن تحول الظروف السياسية والأمنية بين البلدين دون تنفيذها.
من مقاتلة عاملة إلى قطعة تحمل ذاكرة مرحلة
كانت ميغ-21، بتصميمها السوفيتي، من الطائرات الأساسية في تاريخ القوات الجوية السورية، وشكلت لسنوات جزءاً مهماً من أسطولها القتالي والاعتراضي.
لكن قيمة الطائرة التي هبطت في الأردن لم تعد اليوم مرتبطة بدورها العملياتي كما كانت عام 2012... فبعد مرور أكثر من عقد، أصبحت أهميتها مرتبطة بالحدث الذي حملها إلى خارج سورية، وبالتحولات التي أعقبته.
فهي ليست مجرد مقاتلة خرجت من الخدمة أو فقدت قيمتها العسكرية، وإنما طائرة ارتبطت بحادثة سياسية وعسكرية استثنائية، وأصبحت بذلك جزءاً من الذاكرة المادية لمرحلة مفصلية من تاريخ سورية.
الطيار الذي غادر بالطائرة وعاد إلى مؤسسة مختلفة
أما العقيد الطيار حسن مرعي الحمادة، المولود في محافظة إدلب عام 1968، والذي شغل منصب قائد سرب في مطار خلخلة العسكري قبل انشقاقه، فقد واصل بعد خروجه من سورية مساراً عسكرياً وسياسياً ضمن مؤسسات الثورة السورية.
وتولى لاحقاً مسؤوليات عدة، بينها منصب وزير الدفاع في الحكومة السورية المؤقتة في نوفمبر 2021، قبل أن يعود، بعد سقوط نظام الأسد، إلى المؤسسة العسكرية السورية الجديدة التي تشكلت في سياق مختلف تماماً عن المؤسسة التي انشق عنها عام 2012.
وبينما تغير موقع الطيار ومساره، بقيت الميغ-21 في الأردن، محتفظة بارتباطها بتلك اللحظة التي خرج فيها الاثنان معاً من سورية.
حين تصبح الطائرة وثيقة
لا تتوقف قيمة المعدات العسكرية دائماً عند وظيفتها العملياتية. ففي بعض الحالات، تتحول الطائرات والمركبات المرتبطة بأحداث استثنائية إلى وثائق مادية تختزن جزءاً من تاريخ الدول ومؤسساتها.
وهذا ما يمنح ميغ-21 التي عبرت الحدود السورية الأردنية عام 2012 قيمة مختلفة اليوم... فالمقاتلة لم تعد مطلوبة لاستعادة دور قتالي، ولا تبدو استعادتها مرتبطة بإعادتها إلى الخدمة، وإنما يمكن النظر إليها باعتبارها قطعة مادية توثق حدثاً عسكرياً وسياسياً ترك أثراً في مسار المؤسسة العسكرية السورية.
وبعد تغير السلطة في دمشق وعودة الطيار إلى المؤسسة العسكرية الجديدة، تبدو الظروف التي أحاطت بخروج الطائرة من سورية مختلفة جذرياً عن واقع اليوم.
هل حان وقت استعادتها؟
إذا كانت الميغ-21 لا تزال في الأردن، فإن طرح استعادتها اليوم يمكن أن يُقرأ باعتباره سؤالاً تاريخياً وتوثيقياً أكثر منه سؤالاً عسكرياً.
فالطائرة التي غادرت سورية عام 2012 ضمن واحدة من أبرز حالات الانشقاق العسكري، لم تعد تحمل القيمة العملياتية التي كانت لها آنذاك، لكنها اكتسبت قيمة أخرى بمرور الزمن: قيمة الشاهد المادي على مرحلة تغيرت خلالها السياسة، والمؤسسات، وحتى شكل الدولة نفسها.
وفي حال طُرحت استعادتها رسمياً، فإن الأمر سيحتاج إلى تفاهم سياسي ودبلوماسي بين دمشق وعمّان، لا إلى قرار عسكري يتعلق بإعادة مقاتلة إلى الخدمة.
ويبقى السؤال مفتوحاً: إذا كانت المرحلة التي أخرجت تلك الطائرة من سورية قد انتهت، وإذا كان الطيار الذي قادها قد عاد إلى مؤسسة عسكرية سورية جديدة، فهل آن الأوان لكي تعود الميغ-21 نفسها إلى سورية أيضاً، لا كمقاتلة، بل كشاهد على تاريخ مرحلة كاملة؟