أوسكار نيوز/ شخصيات
بقلم/ ميشيل البحري
في أوج احتدام الثورة السورية، وبينما كان العالم يُتابع ما يقوم به الشعب السوري، كان أبناء الثورة على موعد مع حدث مميز في حزيران عام 2012، عندما كانوا يراقبون ما سيكون من أمر الجيش، قام عقيد طيار من ذوي الخبرة العسكرية والشرف الرفيع بأول انشقاق لطائرة حربية من الجيش السوري والتوجه فيها إلى الأردن وإلى قلوب السوريين مباشرةً.
في ذلك اليوم، أقلع الحمادة بطائرة حربية من طراز ميغ-21 من مطار خلخلة العسكري في محافظة السويداء، أثناء طلعة جوية فوق جنوب سوريا، لكنه لم يعد إلى القاعدة. فقد اتجه بطائرته نحو الأردن، وهبط في قاعدة الملك حسين الجوية بمنطقة المفرق، في حادثة وصفت آنذاك بأنها انشقاق ناجح لضابط في سلاح الجو السوري بطائرته منذ اندلاع الثورة السورية.
ولد العقيد حسن الحمادة في محافظة إدلب، بلدة ملس تحديداً عام 1968 وقبل انشقاقه مباشرةً شغل منصب قائد سرب في مطار خلخلة العسكري، وكان من الطيارين أصحاب الخبرة في سلاح الجو السوري.
يذكر العقيد الحمادة بأن الانشقاق لم يكن قرار لحظة واحدة بل كان نتيجة تفكير مطول وفق ما أفاد به خلال مقابلة صحفية، وانتظر التوقيت والأسلوب المناسب للقيام بالعملية، وصولاً إلى
حزيران 2012
مُنح العقيد الحمادة بعد هبوط طائرته في الأردن لجوئاً سياسياً، وأعلنته سلطات النظام البائد بأنه ضابط فار من الخدمة.
بعد انشقاقه وانضمامه إلى صفوف الثورة بدأ العقيد الحمادة نشاطاً عسكرياً طويلاً في صفوف المعارضة المسلحة آنذاك في شمال سوريا، وشارك في تأسيس لواء يوسف العظمة في تشرين الأول عام 2012 بحسب ما تذكر (الذاكرة السورية)،.
وبعد تأسيس الفرقة 101 عام 2014، والتي قادها شخصياً برز اسم العقيد الحمادة في نشاطات عسكرية متعددة وخاصة ما عُرف باسم غرفة الموك التي ضمت مروحة واسعة من تشكيلات الجيش السوري الحر.
وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2014، ظهر اسم الحمادة بصفته قائد الفرقة 101 في بيان أعلنت فيه قيادة الفرقة فصل أحد قادتها العسكريين بسبب اتخاذه قراراً منفرداً بشأن هدنة مع جبهة النصرة.
مع مرور السنوات، انتقل الحمادة تدريجياً من قيادة التشكيلات العسكرية إلى مواقع أكثر ارتباطاً بالعمل المؤسسي للمعارضة السورية.وفي سبتمبر/أيلول 2017، عُيّن معاوناً لوزير الدفاع في الحكومة السورية المؤقتة، إلى جانب العقيد عبد الجبار العكيدي، ضمن تشكيل هيئة الأركان التابعة للحكومة.
ثم في 15 تشرين الثاني/نوفمبر 2021، انتُخب الحمادة وزيراً للدفاع في الحكومة السورية المؤقتة، ليكون بذلك قد انتقل خلال أقل من عقد من ضابط في سلاح الجو السوري إلى أحد أبرز المسؤولين العسكريين في مؤسسات المعارضة.
التحول الأبرز في مسيرته جاء بعد التغييرات السياسية والعسكرية الكبرى في سوريا.وفي أكتوبر/تشرين الأول 2025، أُعلن تعيين حسن الحمادة عميداً ونائباً لرئيس أركان القوى الجوية في الجيش السوري، في انتقال لافت من موقع الضابط المنشق إلى موقع قيادي داخل المؤسسة العسكرية السورية الجديدة. ووصفت تقارير هذا المسار بأنه رحلة امتدت من انشقاقه بطائرة ميغ-21 عام 2012 إلى المشاركة في إعادة تشكيل المؤسسة العسكرية.
ليست حكاية العقيد الحمادة حكاية رمزية أو جزء من سياق تاريخي فقط، بل هي دليل واضح على أن الشرف العسكري ليس مجرّد تطبيق أوامر عسكرية، بل هو أيضاً أن تكون ابناً للشعب قبل كل شيء.واللافت في قصته ليس فقط مشهد الطائرة التي عبرت الحدود الأردنية عام 2012، بل المسار الذي تلا ذلك الإقلاع؛ إذ تحولت رحلة الميغ-21 من حادثة انشقاق عسكرية إلى بداية مسيرة طويلة أعادت الحمادة، بعد سنوات، إلى داخل المؤسسة العسكرية السورية نفسها ولكن في موقع مختلف تماماً عن الموقع الذي غادره.
ومن هنا وليبقَ الدليل ماثلاً أمامنا وأمام الأجيال القادمة، فإن استعادة الطائرة التي انشق فيها العقيد الحمادة هي استعادة لجزء من السردية السورية الطويلة، وبيانٌ لما فيها من محطّات تستحق أن تبقى كشاهد لا يموت، ولذلك فإن المطالبة بعودة هذه الطائرة تحديداً هو مطالبة باستعادة لحظات هامة وفارقة.
تبدو سيرة حسن مرعي الحمادة أشبه بمسار عسكري وسياسي عبر مراحل متناقضة من التاريخ السوري الحديث: ضابط في سلاح الجو، ثم طيار منشق، ثم قائد تشكيل عسكري في المعارضة، فمسؤول في وزارة الدفاع التابعة للحكومة السورية المؤقتة، وصولاً إلى موقع قيادي في القوات الجوية السورية بعد التحولات التي شهدتها البلاد.
.