أوسكار نيوز/ شخصيات
بقلم/ ريم وانلي
في جنوب سوريا، وتحديداً في منطقة اللجاة الوعرة، برز اسمٌ نسائيٌّ لم يكن مألوفاً في عالم الضباط والرتب العسكرية.
إنها يسرى ذياب القطاعنة، الضابطة التي شقّت طريقها وسط ظروف سياسية وعسكرية معقدة، لتصبح واحدة من أكثر الشخصيات النسائية حضوراً في المشهد الأمني السوري، وتحمل لقباً ظلّ ملازماً لها: “العنود”.
النشأة والجذور
تنحدر يسرى من عائلة القطاعنة، إحدى العائلات المعروفة في ريف درعا الشرقي.
كبرت في بيئة قاسية بطبيعتها، لكنها غنية بروح التحدي والانتماء، كما أت العائلة لعبت دوراً بارزاً في الحراك الثوري منذ بداياته، وكان لشقيقها النقيب المنشق قيس ذياب القطاعنة تأثير كبير في مسارها، فهو أحد أوائل الضباط الذين انشقوا عن النظام عام 2011، ومؤسس ألوية العمري في الجنوب.
البدايات العسكرية
دخلت يسرى الكلية العسكرية في بداية الألفينات، في وقت كان حضور النساء في السلك العسكري محدوداً، في حين أنها تدرّجت في الرتب حتى وصلت إلى نقيب قبل عام 2011، وعملت في مواقع إدارية وميدانية داخل وزارة الدفاع.
كانت معروفة بانضباطها وشخصيتها الصلبة، وهو ما جعلها تحظى باحترام زملائها رغم صعوبة البيئة العسكرية على النساء.
الانشقاق… نقطة التحوّل
مع تصاعد الأحداث في درعا عام 2011، اتخذت يسرى قراراً غير مألوف لضابطة أنثى: الانشقاق، حيث أن خطوتها جاءت بعد أشهر من انشقاق شقيقها قيس، وكانت من أوائل النساء اللواتي تركن المؤسسة العسكرية في تلك الفترة.
انضمّت إلى مجموعات المعارضة في الجنوب، وهناك بدأ اسمها يبرز كضابطة تمتلك خبرة ميدانية وقدرة على التنظيم.
“العنود”… الضابطة التي لم تقف في الخلف
في اللجاة، لم تكن يسرى مجرد ضابطة منشقّة، بل كانت جزءاً من العمل الميداني، تشارك في:
إدارة نقاط طبية، تدريب مجموعات نسائية، تنظيم خطوط الإمداد، التنسيق بين مجموعات اللجاة وكتائب العمري، العمل في غرف العمليات خلال المعارك الكبرى
ارتبط اسمها بعدة معارك خاضتها فصائل الجنوب، أبرزها:
معارك اللجاة، كتيبة التسليح، موقع الكيمياء، تل الجموع، الجابية، التلول الحمر
لم تكن تحمل السلاح في الخطوط الأمامية دائماً، لكنها كانت جزءاً أساسياً من منظومة الدعم والاتصالات والتنظيم، وهو دور حاسم في معارك الجنوب.
كما لقّبها المقاتلون بـ “العنود”، في إشارة إلى صلابتها وقوة شخصيتها، وبقي اللقب ملازماً لها حتى بعد عودتها إلى العمل الرسمي.
بعد الحرب… العودة إلى المؤسسات
مع التسويات التي شهدها الجنوب، عادت يسرى إلى العمل الرسمي ضمن وزارة الداخلية.
لم تكن عودتها عادية، فقد كُلّفت بمهام تدريبية وإدارية، خصوصاً في مجال تأهيل العناصر النسائية داخل الشرطة.
كما أن قدرتها على الجمع بين الخبرة العسكرية والانضباط الميداني جعلتها واحدة من أبرز الضابطات في برامج إعادة الهيكلة.
ترفيعها إلى رتبة عقيد
في آذار 2026، صدر قرار بترفيع يسرى ذياب القطاعنة إلى رتبة عقيد.
القرار لم يكن مجرد خطوة إدارية، بل اعتُبر اعترافاً بمسيرتها الطويلة، وبكونها من أوائل النساء اللواتي جمعن بين:
الخدمة العسكرية، الانشقاق، المشاركة في العمل الميداني، العودة إلى المؤسسات، لعب دور قيادي داخل وزارة الداخلية
بهذا الترفيع، أصبحت يسرى واحدة من أعلى الضابطات رتبة في سوريا.
صورتها اليوم
تظهر يسرى في المناسبات الرسمية بزي وزارة الداخلية، تحمل رتبتها بثقة، وتبدو كأنها تمثّل جيلاً جديداً من النساء اللواتي دخلن عالم الأمن من أبوابه الواسعة.
تحافظ على خصوصيتها، ولا تظهر كثيراً في الإعلام، لكن حضورها داخل الوزارة وفي الجنوب واضح.
ما زالت تُعرف بلقب “العنود”، اللقب الذي يعكس شخصيتها أكثر مما تعكسه أي رتبة.
يسرى ذياب القطاعنة ليست مجرد ضابطة وصلت إلى رتبة عقيد.
هي قصة امرأة عبرت مراحل متناقضة: جيش… انشقاق… معارك… فقدان شقيق… ثم عودة إلى الدولة برتبة عالية.
إنها واحدة من الشخصيات النسائية النادرة التي تركت بصمتها في المشهد العسكري والأمني السوري، وبقيت حاضرة رغم كل التحولات.