أوسكار نيوز/ سياسة
بقلم/ ناهد شفيق دونا
في تصعيدٍ كلاميٍّ غير مسبوقٍ، أعاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فتح واحدٍ من أخطر ملفّات الصّراع بين واشنطن وطهران، من خلال تصريحاتٍ مباشرةٍ أطلقها في مقابلةٍ إعلاميَّةٍ مع صحيفة نيوز نايشن، أحدثت صدمةً واسعةً في الأوساط السياسيَّة والدبلوماسيَّة حول العالم، حيث لم تأتِ كلماته في سياق تلميحٍ أو تحذيرٍ مبطَّنٍ، بل جاءت بصيغة تهديدٍ صريحٍ يتجاوز الأعراف الدبلوماسيَّة التّقليديَّة، ويستحضر منطق الرَّدع المُطْلق.
قال ترامب حرفياً في حديثه: "إنّي أعطيت تعليماتي الواضحة للتَّعامل مع أيِّ محاولةٍ إيرانيَّةٍ لاستهدافي بالاغتيال"، مضيفاً: "إذا حاولت إيران اغتيالي، فسيتم محوها عن وجه الأرض بالكامل، ولم أتردَّدْ في إعطاء هذا الأمر".
هذه العبارة التي نُقِلَتْ كما وردت، كشفت مستوى غير مسبوقٍ من الحدَّة في الخطاب السِّياسي الأمريكيِّ تجاه إيران، ووضعت العالم أمام سيناريوهاتٍ بالغةِ الخطورة في حال تحوَّلت هذه اللُّغة إلى فعلٍ.
خطورة هذا التَّصريح لا تكمن فقط في مضمونه، بل في توقيته أيضاً، إذْ يأتي في ظلِّ تصاعد التوتُّرات الإقليميَّة، وتشابك الملفّات الأمنيّة بين الولايات المُتَّحدة وإيران، سواء في الخليج أو العراق أو سوريا، أو عبر ملفَّات الاغتيالات والعمليَّات السريّة المتبادلة التي لم تعد خافيةً على أحد، فترامب لم يتحدَّث عن حربٍ تقليديَّةٍ، ولا عن ضربةٍ محدودةٍ، بل استخدم تعبيراً وجودياً يمس دولةً إقليميَّةً وشعباً كاملاً، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلاتٍ قانونيَّةٍ وأخلاقيَّةٍ حول حدود الخطاب السِّياسي عندما يصدر عن رئيس دولةٍ كبرى.
كما أنَّ تصريح ترامب يعكس عقيدته السِّياسية القائمة على الرَّدع بالقوَّة القصوى، واستخدام الصَّدمة اللفظيّة كأداة ضغطٍ، وهي سياسةٌ سبق أن اتَّبعها في ملفّات كوريا الشَّماليّة، والتِّجارة الدُّوليَّة والهجرة، لكنَّه في الحالة الإيرانيّة يبدو أكثر اندفاعاً نظراً لخلفيَّة الصِّراع الطَّويل، وملفِّ الاغتيالات الذي يُلاحِق الطَّرفين منذ سنواتٍ، خاصَّةً بعد مقتل قاسم سليماني وما تبعه من تهديداتٍ متبادلةٍ.
من جهةٍ أخرى، يضع هذا التَّصريح الإدارة الأمريكيَّة ومؤسَّساتها العسكريَّة والأمنيَّة في موقفٍ بالغ الحساسيَّة، لأنَّ مثل هذا الكلام لا يمكن فصله عن المسؤوليَّة القانونيَّة والسياسيَّة لرئيس الدّولة، حتّى لو قيل في إطارٍ إعلاميّ، فالتَّصعيد اللفظيُّ بهذا المستوى قد يدفع الأطراف الأخرى إلى رفع سقف ردودها، ويُقرِّب المنطقة خطوةً إضافيَّةً من حافَّة الانفجار الشّامل.
في المحصلة، لا يمكن النَّظر إلى كلام ترامب على أنَّه مجرَّدُ خطابٍ انتخابيٍّ، أو استعراضٍ إعلاميٍّ فقط، بل هو مؤشِّرٌ خطيرٌ على هشاشة التَّوازن الدولي، عندما تُصبح عبارات الإبادة والمحو جزءاً من اللُّغة السياسيّة العلنيَّة، وبينما قد يرى أنصارُه في هذا الكلام تعبيراً عن الحزم والقوَّة، يرى فيه كثيرون جرسَ إنذارٍ جديدٍ، لعالمٍ بات أقرب من أيِّ وقتٍ مضى إلى الانزلاق نحو صداماتٍ لا يمكن السّيطرة على نتائجها، ولا على كلفتها الإنسانيَّة والسياسيَّة.