ليس للحرب وجه أنثوي: سردية النساء في مواجهة الحرب - أوسكار نيوز

في كتاب «ليس للحرب وجه أنثوي»، تُعيد سفيتلانا أليكسيفيتش كتابة التاريخ من منظور النساء اللواتي خضن الحرب العالمية الثانية بأجسادهن وذاكرتهن، لتكشف وجوهًا منسية للبطولة والألم والإنسانية، وتمنح صوتًا لمن صمتن طويلًا خلف ضجيج السلاح.

ليس للحرب وجه أنثوي: سردية النساء في مواجهة الحرب - أوسكار نيوز

أوسكار نيوز/ ثقافة
بقلم/ نور عباس
في كتابها «ليس للحرب وجه أنثوي»، تُعيد سفيتلانا أليكسيفيتش تشكيل سردية الحرب العالمية الثانية من منظور طالما هُمّش: منظور النساء اللواتي شاركن في الحرب، لا كمجرد ممرضات أو زوجات جنود، بل كمقاتلات، وقناصات، وسائقات دبابات، وطبيبات، وعاملات في الخطوط الأمامية. الكتاب، الذي يُعد من أبرز أعمال الأدب التوثيقي المعاصر، لا يكتفي بإعادة سرد الوقائع، بل يُعيد بناء الذاكرة الجماعية من خلال شهادات نسائية حية، تُروى بلغة الألم والصدق، وتُضيء جوانب الحرب التي لطالما غيّبها التاريخ الرسمي.
لا تكتب أليكسيفيتش، الحائزة على جائزة نوبل للآداب عام 2015، عن النساء، بل تكتب بهنّ؛ تُفسح المجال لأصواتهن كي تتكلم، وتُعيد تعريف البطولة، والخسارة، والصدمة، من خلال سرديات شخصية تتجاوز الأرقام والإحصاءات، وتغوص في عمق التجربة الإنسانية.
بنية الكتاب: تعدد الأصوات وتفكيك السرد الرسمي

يتكوّن الكتاب من مئات الشهادات التي جمعتها الكاتبة على مدار سنوات، عبر مقابلات مباشرة مع نساء سوفياتيات شاركن في الحرب الوطنية الكبرى. لا تُقدَّم هذه الشهادات بوصفها وثائق تاريخية فحسب، بل بوصفها سرديات أدبية مشحونة بالعاطفة، والذاكرة، والصدمة. لا توجد حبكة مركزية، بل تتوالى الأصوات كما لو كانت نسيجًا حيًّا من التجارب الفردية، التي تتقاطع في جوهرها، لكنها تحتفظ بفرادتها.
تتخلى الكاتبة عن صوتها الخاص، وتكتفي بدور الوسيط، ما يمنح النص صدقيته، ويُبعده عن التزييف أو التجميل. تُقدَّم كل شهادة بلغة صاحبتها، دون تدخل سردي، ما يُضفي على النص طابعًا شفويًا، ويُحاكي طبيعة الذاكرة نفسها: متقطعة، غير مرتبة، مشحونة بالعاطفة، ومفتوحة على التأويل.
النساء في الحرب: من التهميش إلى البطولة الصامتة

يُعيد الكتاب تعريف دور النساء في الحرب، ويُبرز مشاركتهن الفعلية في المعارك، وفي الخطوط الأمامية، وفي المهام التي غالبًا ما ارتبطت بالرجال. النساء اللواتي يتحدثن في الكتاب لا يُقدَّمن كرموز أو نماذج مثالية، بل ككائنات بشرية عاشت الحرب بكل ما فيها من فوضى وخوف وانكسار. بعضهن قاتلن في الجبهات، وبعضهن فقدن أحباءهن، وبعضهن عُدن إلى الحياة المدنية محمّلات بذكريات لا تُمحى.
إحدى النساء تقول: «عدت من الحرب، لكنني لم أعد كما كنت. لم أعد امرأة، ولم أعد جندية. كنت شيئًا آخر، لا أعرف له اسمًا». تختزل هذه العبارة جوهر الكتاب، وتُبرز كيف أن الحرب لا تُغيّر فقط الجغرافيا، بل تُعيد تشكيل الهوية، وتُخلخل المفاهيم التقليدية للأنوثة، والبطولة، والانتماء.
اللغة بوصفها أداة للبوح والمقاومة

تتميّز لغة الكتاب بالبساطة والصدق، حيث تتخلى أليكسيفيتش عن الزخرفة اللغوية، وتمنح الكلمات صدقها العاري. تُقال كل شهادة كما خرجت من فم صاحبتها، دون تدخل أو تعديل. هذه اللغة، رغم بساطتها، تحمل كثافة شعورية هائلة، وتُجبر القارئ على مواجهة الحقيقة دون وسائط. لا توجد استعارات تُخفف من وقع الألم، ولا توجد حبكات تُعيد ترتيب الفوضى. كل شهادة هي جرح مفتوح، وكل كلمة هي محاولة لفهم ما لا يُفهم.
اللغة هنا ليست مجرد وسيلة للتعبير، بل أداة للمقاومة. النساء اللواتي يتحدثن في الكتاب لا يسعين إلى المجد، بل إلى الاعتراف. تُشكّل شهاداتهن فعلًا سياسيًا وأخلاقيًا، يُعيد رسم خريطة الحرب من جديد، ويُعيد تعريف من يُسمح له بأن يكون جزءًا من التاريخ.
الذاكرة الجماعية وإعادة كتابة التاريخ

لا يُقدّم «ليس للحرب وجه أنثوي» سردًا بديلًا للحرب فحسب، بل يُعيد بناء الذاكرة الجماعية من منظور نسائي، فعبر منح الصوت لهؤلاء النساء، تُعيد أليكسيفيتش تشكيل سردية الحرب، وتُضيء جوانبها الخفية، وتُعيد تعريف مفاهيم مثل البطولة، والخسارة، والانتصار.
الكتاب يُشكّل نقدًا صامتًا للتاريخ الرسمي، الذي غالبًا ما يُقصي الأصوات الهامشية، ويُركّز على سرديات القوة والانتصار. في هذا السياق، يُمكن اعتبار الكتاب بمثابة فعل مقاومة ضد التهميش، وضد اختزال الحرب في سرديات ذكورية لا تُعبّر عن التجربة الكاملة.
أثر الكتاب في القارئ: مواجهة الذات والذاكرة

قراءة «ليس للحرب وجه أنثوي» ليست تجربة سهلة، بل مواجهة مع الألم في صورته الخام. القارئ لا يخرج من الكتاب كما دخل، بل يحمل معه أثرًا نفسيًا عميقًا، يُعيد تشكيل نظرته إلى الحرب، وإلى النساء، وإلى التاريخ ذاته. هذا الأثر لا ينتج عن مشاهد العنف فقط، بل عن الصدق الذي تنطق به الكلمات، وعن هشاشة الأصوات التي تُقاوم النسيان.
يُجبر الكتاب القارئ على إعادة التفكير في مفاهيم مثل البطولة، والنصر، والخسارة. يُعلّمنا أن الحرب ليست فقط ما يحدث في الجبهات، بل ما يعيشه الناس في بيوتهم، في قلوبهم، وفي أجسادهم التي لم تعد كما كانت. يُعلّمنا أن التاريخ لا يُكتب فقط في دفاتر المنتصرين، بل في قلوب المنكسرين.
لماذا علينا قراءة هذا الكتاب؟

لأن «ليس للحرب وجه أنثوي» يُعيد للنساء صوتهن، ويُعيد للذاكرة صدقها، ويُعيد للإنسانية وجهها الذي شوهته المدافع. لأنه يُعلّمنا أن التاريخ لا يُكتب فقط في قاعات المؤتمرات، بل في غرفٍ مظلمة نامت فيها نساءٌ خائفات. لأنه يُجبرنا على سماع الحرب من أفواه من عايشها، ويُذكّرنا بأن البطولة ليست فقط في حمل السلاح، بل في حمل الذاكرة، وفي البوح، وفي المقاومة الصامتة.
في زمنٍ تتكرر فيه الحروب، وتُعاد إنتاج المآسي، نحتاج إلى أن نتذكر كيف تبدو الحرب حين تُروى من تحت الركام، لا من فوق المنابر. نحتاج إلى أن نُصغي إلى الأصوات الصغيرة، لأنها غالبًا ما تحمل الحقيقة التي تُخفيها الضوضاء. نحتاج إلى أن نقرأ «ليس للحرب وجه أنثوي» لنفهم أن التاريخ لا يكتمل إلا حين يُروى من كل الجهات، وبكل الأصوات.

الكلمات المفتاحية:

سفيتلانا أليكسيفيتش، التاريخ البديل

التصنيفات:

Culture

جاري التحميل...