دمشق تغفو على سرير الانقسام | خنق الأفق السياسي وصفة للتناحر - أوسكار نيوز

بعد شهور طويلة من انتظار الحلول، لم تَعُد المطالب مجرّد أصواتٍ تعلو تخفت، والأمور تجري إلى مسارها الطبيعي، الناس اختارت الشارع وستختاره أكثر، في ظل انعدام الحلول وعدم الرغبة في رؤية المشكلة الكبرى بدأت تطلُّ برأسها، فالشارع قابلهُ شارع، والاحتقان يزداد مع فرصٍ دخلت في طور الاضمحلال.

دمشق تغفو على سرير الانقسام | خنق الأفق السياسي وصفة للتناحر  - أوسكار نيوز

أوسكار نيوز/ رأي
بقلم/ ميشيل البحري
شهدت العاصمة السورية دمشق بعد ظهر الجمعة اعتصاماً دَعت إليه مجموعات العمل المدني وبعض النشطاء المستقلين، للمناداة بحزمة من المطالب الاجتماعية الاقتصادية والسياسية، وتراوحت الشعارات بين الدعوة للإسراع بمسار العدالة المُجمَّد، إلى التراجع عن بعض القرارات التي يصفونها بالجائرة اقتصادياً، دون إغفال المسار السياسي الذي يرونه متوقفاً.
في المقابل، توجه عدد من أنصار الحكومة إلى ساحة الاعتصام للتعبير عن موقفهم الرافض للمطالب، وأيضاً تراوحت الشعارات بين تخوين المعتصمين واعتبار كل من ينتقد الحكومة خطر على الثورة والدولة، وجَنح البعض إلى أكثر من ذلك بكثير، في ظل حملة غير منطقية شنّتها مواقع التواصل المحسوبة على خط السُّلطة، شتماً وتهويلاً وتخويناً كاملاً.
الشارع حلّاً وحيداً
ليس الغريب هو الاعتصام بذاته أو المطالب عينها، بل الغريب هو تحوُّل مثل هذه القضايا الاجتماعية التي يتفق معها كل إنسان، إلى محل عراك سياسي وحقلاً خصباً للانقسام والتخوين، والأخطر هو أن يصبح مكان تلك المطالب هو الشارع فوراً، في زمن الفضاء المفتوح الذي أصبحت مواقع التواصل فيه جزءاً رئيسياً من الشارع ولا تنفصل عنه بأي حال،
فالطبيعي هنا أن تكون المطالبات أولاً مكانها المنابر والعمل السياسي ومكاتب البلديات والمجالس المحلية التي تُمثّل - أو يفترض- نبض الشارع وتمشي مع خطواته وربما تسبقه بخطوات، ولكن غياب الأفق السياسي وخنق الفعل التنظيمي تحت شعار الدولة حديثة العهد، واتخاذ قرارات جوهرية من شأنها أن تودي بالبلاد إلى مكان آخر تماماً، مكان يُهدد فيه الجميع، أو هكذا يرون! وثم تُرمى تلك القرارات جُزافاً وتحدّياً للجميع، حاملةً معها كل أنواع الصَّلَف السلطوي، دون السماح لأحد بالنقاش أو السؤال، فهذا هو بالذات ما جرَّ الناس إلى الشارع وما سيجرّهم أكثر.
بين شارعين
قد تكون لعبة الشوارع المُتقابلة، ومن ثم السيطرة عليها، لعبةً سلطوية مفهومة أحياناً، في سياق فهم نبض الجميع واللعب عليه وهذا ممّا هو معلوم في السياسة بالضرورة، ولكن أخذ الشعارات إلى مكان التخوين وهدر الدم فهذا مما سيهدّد السلطة نفسها ووجودها، ومن مساوئ السلطة دائماً على صناع القرار، اعتقادهم المفرط بأنهم يضبطون الشارع ويفهمونه ويعرفونه وقادرون على توجيهه دوماً، أما في الواقع، فالشارع والشارع الآخر لا يمكن ضبط إيقاعه أو تقدير درجات غليانه التي ربما تصل إلى أصحاب المناصب باردة، كما أن للشوارع أسرارها و"حاراتها" التي يستطيع الجميع دخولها وخروجها خلسةً عن أعين العَسس!
أساطير الأوّلين
إن أخذ الأمور باتجاه استمرار سياسة امتصاص الاحتقان على مبدأ، فليقولوا ما يشاؤون ونحن نصنع ما نشاء، له فترة من الصلاحية، ويبدو بأن ممارسات الشارع الذي يرفض أي نقد موجه للحكومة، سيجعل فترة الصلاحية أقصر بكثير مما يظن الذين يرون أنفسهم من أهل الخبرة في السياسة، وهم بكل الأحوال وباعترافهم، غرباء تماماً ولعقود طويلة عن المشهد الداخلي، ومن يراهن على سكوت الناس كما سكتوا أيام النظام المخلوع فهو يخاطر بمصيره، أو بأحسن الأحوال يرى في ممارسات النظام السابق قدوةً لهُ، ويريد ذات الإرث في الحكم!
مسارات وخيارات
ما حدث له ما بعدهُ بلا شك، وهو بداية طريق، وبالطبع ستحدد مساراته خيارات السلطة داخلياً، إن فتح باب النقاش داخل مؤسسات حزبية تنظيمية وإشراك الجميع في صياغة القرار المحلي والاقتصادي الاجتماعي، سيفتح باباً من أبواب المستقبل، ليس مستقبلاً ورديّاً بأي حال، ولكنه حجر في بداية الدرب، كما أن التوقف عن توجيه الحملات التحريضية الواضحة تجاه أي صوت جديد، سيعزز الثقة ويزيد الاطمئنان، أما ترك الأمور على غاربها واستمرار التجييش الطائفي تارةً، والمناطقي تارةً أخرى واعتبار المجتمع تحصيلاً حاصلاً، وترك الناس ومستقبلها، مكشوفةً أمام مجرّد مجموعة من المليارات الجديدة مجهولة المصدر، فإنه سيُفشل التجربة التي على وشك البداية، ويصبح التشكيك هو الأمر الدائم، والشارع هو المكان الوحيد، والشارع المضاد بكل مخارجه هو المُعادل الموضوعي لمطالب الإصلاح والمشاركة، وسوف يتحوّل انقطاع الكهرباء لمدة ساعة إضافية إلى قضية سياسية كبرى يتبعها التخوين والتهديد.
لا مشروع إذاً لا استقرار
حتى الآن لا نعرف ما هو مشروع السلطة، وكأنه سر الأسرار، أو لنكن أكثر صراحةً هل تملك أصلاً هذه السلطة مشروعاً سياسياً وتصوّراً لشكل الدولة؟ وهل هذا المشروع هو رؤية أيديولوجية اشترك في إقرار مبادئها جميع السوريين وتناسبهم؟ أم أنها رؤية المُنتصر الذي يتعامل بمنطق الغلبة؟.
خطورة هذه الأسئلة تأتي من انعدام الإجابات، فالسلطة اليوم تضع المجتمع أمام المجهول المُطلَق، والإنسان الذي هو عدو ما يجهل بطبيعته لا يمكن أن يصمت في الظلام الكامل، الشرعية الثورية ستتآكل مع الزمن، وستأتي بدلاً منها الشرعية الاجتماعية والسياسية، والأسئلة حول المستقبل ستزيد والإجابات إذا ظلّت غائبة سيتحول القلق إلى وحش يبتلع الجميع.
شرعية وجود الآخر
وفي المقابل، لا يبدو إلى الآن بأن هناك معارضة تقف على أرضية واضحة وقادرة على ممارسة ضغط حقيقي على السلطة، لثنيها عن قرار الانفراد بمصير المجتمع وحدها، فما زلنا أمام مجرد مطالب متناثرة هنا وهناك، و"حفلات" تواصل اجتماعي لتسجيل النقاط في تعليق أو منشور منفصل تماماً عن الحقيقة الأساسية وهو إنتاج مشروع أو فكرة مشروع، والخروج من العقلية الناشطية وتسريب الفيديوهات إلى وسائل الإعلام، وممارسة منطق الفضائح البعيد عن البناء السياسي، فشرعيتك وشرعية مطلبك ليست فقط باعتبارك نقيضاً للآخر بل بما تقدّمه أو تحاول تقديمه للناس.
كلّما تأخَّرَت الأطراف في معالجة الأسئلة، كلما خسر الجميع من رصيده لمصلحة الفراغ والفوضى والتشتت اللانهائي، في بلد أمامه من الاستحقاقات الإقليمية والداخلية ما يجعل كل تأخير، هو يومٌ بفرصة ضائعة لا تعوض، لإصلاح ما قد يمكن إصلاحه.

الكلمات المفتاحية:

قانون وكرامة، سوريا، أحمد الشرع، الحكومة السورية، الثورة السورية، اعتصام في دمشق

التصنيفات:

Opinion

جاري التحميل...