أوسكار نيوز/ ثقافة
بقلم/ مهند الساير
عندما تكون الكاميرا شاهدًا على جريمة ضد الطفولة
لم تعد قصص العنف ضد الأطفال في سوريا تُروى كأحاديث جانبية، يُصدَّق بعضها ويُكذَّب بعضها الآخر. فقد تحولت هذه الجرائم اليوم إلى مشاهد موثّقة بالصوت والصورة، تُنشر على مختلف منصات التواصل الاجتماعي، بلا ذرة رحمة أو شفقة، وغالبًا على أيدي ذوي الأطفال أنفسهم أو أقرب الناس إليهم.
الأخطر من الجريمة ذاتها هو السؤال الصادم: من الذي يوثّق هذه الأفعال؟
الجواب المؤلم: المجرم نفسه.
نعم، الجاني هو الشاهد، وهو من يرفع الكاميرا ويوثق اعتداءه، غير مدرك — أو غير مكترث — لهول ما يفعل. وهو في الغالب يبرر فعلته بأنها “تربية”، وكأن العنف بات وسيلة مشروعة لتقويم السلوك.
أي تربية هذه؟
وهل يُبنى الإنسان بالضرب والإذلال والترويع؟
إن هذه الفيديوهات لا تكشف فقط عن اعتداءات فردية معزولة، بل تفضح انهيارًا مجتمعيًا عميقًا، وتخريبًا ممنهجًا في منظومة العلاقات الأسرية، وتفككًا خطيرًا في الروابط العائلية، وانحرافًا حادًا في مفهوم التربية. ما نشهده اليوم هو نتاج تراكمات طويلة خلّفتها سنوات الحرب، والفقر، والجهل، والقمع، في ظل نظامٍ استخدم العنف كأداة حكم، وضرب المجتمع بالحديد والنار ليبقى جاثمًا على رقاب السوريين.
لقد أورث هذا الواقع المجتمع السوري أمراضًا نفسية وسلوكية عميقة، وزرع قنبلة موقوتة في أضعف أركانه: الطفل. صحيح أن بعض الآباء الذين يمارسون العنف قد يكونون ضحايا كبت، أو اضطرابات نفسية، أو تجارب قاسية في السجون والمعتقلات، لكن هذه الحقيقة — مهما كانت قاسية — لا تبرر الجريمة.
فالضحية لا يجب أن تتحول إلى جلاد،
وصاحب الألم لا يملك حق توريث ألمه،
ولا يوجد أي مبرر أخلاقي أو إنساني لإعادة إنتاج العنف أو تدويره داخل الأسرة.
إن توثيق الاعتداء بالكاميرا، إن دلّ على شيء، فهو يدل على أن الجاني لا يخشى المحاسبة، ولا يرى في فعله جريمة تستوجب الردع أو الخجل. صحيح أن نشر هذه المقاطع قد يحرّك الرأي العام، وقد يساهم أحيانًا في إنقاذ طفل من مصير مظلم، لكن النشر العشوائي دون ضوابط أخلاقية قد يتحول إلى أذى مضاعف.
فالطفل الضحية لا يحتاج فقط إلى إنقاذ جسده، بل إلى حماية كرامته وذاكرته ومستقبله. إن إعادة نشر صوره ومشاهد تعذيبه تترك وصمة نفسية واجتماعية قد تلاحقه سنوات طويلة، وتحوّله من ضحية عنف إلى ضحية فضح علني.
ولا يمكن التعامل مع هذه الظاهرة بوصفها “حالات فردية” أو “أخطاء تربية”، لأن ذلك يُفرغ الجريمة من معناها الحقيقي ويُسهم في تطبيعها. إن أخطر ما في العنف ضد الأطفال اليوم ليس وقوعه فقط، بل الدفاع عنه أحيانًا، أو تبريره بالصمت والخوف والعادات.
حين يُضرب طفل أمام الكاميرا، أو يُجبر على الاعتراف تحت الضرب، فإننا لا نشهد اعتداءً جسديًا فحسب، بل اغتيالًا للثقة، وتدميرًا لصورة الأمان الأولى التي يفترض أن تمثلها الأسرة. والطفل الذي يكبر في بيئة كهذه، غالبًا ما يحمل العنف معه إلى المستقبل، إما كضحية مكسورة، أو كمعتدٍ يعيد إنتاج ما تعلّمه.
إن مسؤولية حماية الأطفال لا تقع على الأسرة وحدها، بل على المجتمع بأكمله، وعلى المؤسسات المدنية والإعلامية والقانونية والدينية. فالصمت شراكة، والتبرير تواطؤ، والاكتفاء بالمشاهدة خيانة أخلاقية. المطلوب اليوم ليس تعاطفًا عابرًا، بل وعيًا جمعيًا يرفض العنف بوصفه جريمة لا رأيًا، وانتهاكًا لا أسلوب تربية.
كما أن للإعلام دورًا بالغ الحساسية؛ فالتغطية غير المسؤولة، وإعادة نشر المقاطع دون طمس أو سياق، قد تتحول من أداة كشف إلى أداة إيذاء. المطلوب إعلام يحاسب الجاني، لا يعيد تعذيب الضحية، ويضغط باتجاه المساءلة القانونية، لا باتجاه رفع نسب المشاهدة.
وفي غياب منظومة قانونية رادعة، يبقى الطفل الحلقة الأضعف في معادلة مختلة. لذلك، فإن أي حديث جاد عن مستقبل سوريا لا يمكن أن يتجاهل ملف حماية الطفولة، لأن مجتمعًا يعجز عن حماية أطفاله، يعجز عن بناء دولة، أو تحقيق عدالة، أو الخروج من دائرة العنف.
حماية الأطفال ليست قضية ثانوية، بل هي المقياس الحقيقي لإنسانية أي مجتمع. فالأوطان لا تُبنى بإعادة الإعمار وحدها، بل بترميم النفوس الصغيرة التي قُتلت بصمت. إن إنقاذ طفل واحد هو إنقاذ للإنسانية جمعاء؛ فمن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا، ومن قتلها فكأنما قتل الناس جميعًا. وكل طفل يتعرض للضرب أو الإهانة هو شاهد إدانة على فشلٍ أخلاقيٍّ جماعي، وعلى مجتمعٍ لم يحترم بعد كرامة الإنسان ولا حقه في الأمان.