أوسكار نيوز/ اقتصاد
بقلم/ ميشيل البحري
تُعدّ الحقول المشتركة بين العراق وإيران واحدة من أبرز مظاهر التداخل الجيولوجي والسياسي في الشرق الأوسط، إذ تمتد مكامن النفط والغاز على جانبي الحدود، ووفقاً لموسوعة حقول النفط لدى منصة الطاقة المتخصصة، تبرز من هذه الحقول 4 رئيسة هي: مجنون/آزادكان، وبدرة/آزار، ونفط خانة/نفط شهر، والسندباد/يادافاران، إذ تمثّل جميعها خزاناً ضخماً للطاقة غير المستثمرة بالكامل، ورغم اختلاف النهج السياسي والاقتصادي في إدارة الحقول المشتركة بين العراق وإيران، فإن الواقع الجيولوجي يفرض معادلة أخرى، فالمنبع واحد والحدود السياسية لا تغيّر من مسار النفط داخل الأرض، ومن ثم تتجدد الأسئلة حول كيفية استثمار تلك الثروة بطريقة متوازنة تحافظ على حقوق الطرفين.
مجنون وآزادكان
يُعدّ حقل مجنون ونظيره آزادكان من أكبر الحقول المشتركة بين العراق وإيران إذ تشير التقديرات إلى أن المنبع الجيولوجي الذي يربطهما يضم أكثر من 90 مليار برميل من النفط الخام، بالإضافة إلى كميات ضخمة من الغاز المصاحب، وفي الجانب العراقي يقع حقل مجنون في محافظة البصرة، ويحتوي على 58 مليار برميل من النفط الخام، و38 تريليون قدم مكعبة من الغاز، بطاقة إنتاجية تتجاوز 260 ألف برميل يومياً، أمّا في إيران فيقع حقل آزادكان في محافظة خوزستان، ويُقدَّر احتياطيّه بأكثر من 33 مليار برميل من الخام عالي الجودة، ويبلغ إنتاجه حالياً نحو 215 ألف برميل يومياً.
بدرة/ آزار
يشكّل حقل بدرة في محافظة واسط العراقية ونظيره آزار في محافظة إيلام الإيرانية أحد أبرز أمثلة التعاون غير المعلَن بين البلدين، إذ يتقاسم الحقلان المنبع ذاته ويمتدّان عبر الحدود الشرقية بطول نحو 13 كيلومتراً، ضمن الحقول المشتركة، وبدأ الإنتاج في حقل بدرة عام 2014 بقدرة تراوحت بين 15 و17 ألف برميل يومياً، وبعد عقد من التشغيل، بلغ الإنتاج نحو 20 ألف برميل يومياً، مع تشغيل منشآت لاستثمار الغاز المصاحب، وعلى الجانب الإيراني بدأ الإنتاج في حقل آزار عام 2017 بطاقة 30 ألف برميل يومياً، مع خطة لزيادتها إلى 56 ألف برميل، وتُعدّ جيولوجيته معقّدة بسبب تداخل طبقاته، ما جعل التطوير أكثر صعوبةً، وفي 2025 اكتملت المرحلة الأولى من مشروع الغاز المصاحب، إذ أُنشئ خط أنابيب بطول 130 كيلومتراً لضخّ 15 مليون قدم مكعبة يومياً، تمهيداً لحفر آبار إضافية، وتشير هذه التطورات إلى رغبة كل طرف في تعزيز حصته من الإنتاج دون الإضرار بالتوازن، ما يجعل التنسيق الفني بين البلدين ضرورة لتجنّب تداخل الإنتاج أو فقدان الضغط في الحقول المشتركة.
نفط خانة ونفط شهر
من بين الحقول المشتركة أيضاً، يتميّز حقل نفط خانة العراقي ونظيره نفط شهر الإيراني بتاريخ طويل يعود إلى بدايات الصناعة النفطية في المنطقة، ويقع حقل نفط خانة في محافظة ديالى، واكتُشِف في عشرينيات القرن الماضي، وتُخطط بغداد لإعادة إحيائه ضمن جولة تراخيص جديدة، بِطاقةٍ أولية تبلغ 9.5 آلاف برميل يومياً و40 مليون قدم مكعبة من الغاز بحلول أواخر 2026، مع إمكانية رفع الإنتاج لاحقاً إلى 50 مليون قدم مكعبة يومياً عبر منشآت جديدة لاستثمار الغاز الحر والمصاحب، أمّا حقل نفط شهر، فيقع غرب كرمانشاه الإيرانية، ويُقدَّر احتياطيه بنحو 692 مليون برميل من النفط، وتعمل طهران على تحديث بُنيته التحتية ورفع إنتاجه تدريجياً، ضمن خطة متكاملة تشمل الحقول المجاورة.
السندباد/ يادافاران
يمثّل حقل السندباد ونظيره يادافاران أحد أهم الحقول المشتركة بين البلدين، وأحد أكبر المنابع الحدودية في الجنوب، ويقع حقل السندباد في قضاء شط العرب بمحافظة البصرة باحتياطي يُقدّر بنحو 2.15 مليار برميل من النفط الخام، بينما يمتلك يادافاران نحو 17 مليار برميل، منها 3 مليارات برميل قابلة للاستخراج، وبدأت بغداد في شباط 2025 خطوات عملية لتطوير الحقل عبر اتفاقية مع شركة هاليبرتون الأمريكية، في محاولة لاستغلال إمكاناته غير المستثمرة منذ اكتشافه عام 1974، وفي المقابل تُنفّذ إيران حالياً المرحلتين الثانية والثالثة من خطة تطوير يادافاران، تمتد حتى عام 2029، لرفع إنتاجه إلى 300 ألف برميل يومياً، ويتميّز الحقل بتعدُّد طبقاته بين النفط الخفيف والثقيل، ما يجعله من أكثر الحقول تعقيداً في خوزستان، ويمثّل الحقلان نموذجاً للتداخل بين التعاون والتنافس؛ فبينما يسعى العراق لاستقطاب الشركات العالمية، تواصل إيران توسيع مشروعاتها بالاعتماد على القدرات الوطنية في ظل استمرار العقوبات.
إدارة الحقول المشتركة بين العراق وإيران
تكشف قراءة مشهد الحقول المشتركة بين العراق وإيران أن المسألة تتجاوز الجغرافيا النفطية، إذ يدرك الطرفان أن سوء التنسيق في استغلال المنابع المشتركة قد يؤدي إلى استنزاف الموارد وتراجع الضغط في المنبع، وهو ما يهّدد استدامة الإنتاج لدى الجانبين، لكن التحدي الأكبر يبقى في إدارة هذه الحقول المشتركة بين البلدين بآليات مشتركة تُوازِن بين حقول تُدار بانفتاح دولي في العراق، وأخرى تُطوَّر بجهود داخلية في إيران، فكل زيادة في الإنتاج تعني بالضرورة ضغطاً على الطرف المقابل، وتبدو الحاجة ملحّة اليوم إلى اتفاق فني شامل يحدد نسب الإنتاج وآليات المراقبة، بما يضمن استدامة هذه الثروة التي تتجاوز قيمتها النفطية لتصل إلى رسم ملامح الطاقة الإقليمية لعقود مقبلة.