أوسكار نيوز/ رأي
بقلم/ حسام طوبلسي
ما صدر عن المحكمة العسكرية الدائمة بحق نوح زعيتر ليس حكماً قضائياً بالمعنى الدستوري، بل وثيقة إدانة رسمية للدولة اللبنانية نفسها.
شهرٌ واحدٌ عن أربع إدانات، وإسقاط عشرات الملفات بذريعة مرور الزمن، في بلد يُحتجز فيه آلاف المواطنين لسنوات طويلة بلا محاكمة،هذه ليست ثغرة قانونية، بل هندسة ممنهجة للإفلات من العقاب.
في أي نظام يحترم سيادة القانون، يُفترض أن يؤدّي الاعتراف العلني بالجريمة إلى تشديد العقوبة،في لبنان، يحدث العكس تماماً: الاعتراف يحمي.
التقادم، الذي وُضع أصلًا لتحقيق الاستقرار القانوني، تحوّل إلى أداة تبييض تُغلق بها الملفات الثقيلة وتُمحى بها السجلات الجنائية،هكذا تُكافَأ الجريمة، ويُعاقَب المجتمع.
العدالة الانتقائية: قانون للأقوياء وانتظار للمنسيين
في سجن رومية، يقبع موقوفون منذ عقدٍ وأكثر بلا أحكام، بلا أفق، وبلا حق في محاكمة ضمن مهلة معقولة،هذا احتجاز تعسفي صريح، وانتهاك مباشر لقرينة البراءة.
السؤال البديهي الذي يفرض نفسه: كيف تُنجَز محاكمة صاحب النفوذ خلال أشهر، بينما يُجمَّد مصير المجهولين لسنوات؟
الجواب أبسط من كل التبريرات: العدالة في لبنان انتقائية.
حكومة الصمت: التواطؤ بلباس العجز
السلطة التنفيذية التي تصمت أمام هذه الفضيحة ليست محايدة،هي شريكة،حين لا تُفعِّل أدوات الرقابة، ولا تطلب مراجعة قضائية، ولا تُحاسِب، فهي تُعلن قبولها بقضاء مُسيَّس، وتحوِّل «العجز» إلى سياسة دولة.
القضاء تحت الوصاية: حين يكسر السلاح ميزان القانون
لا يمكن فصل هذه المهزلة عن واقع الدولة المختطفة،وجود قوة مسلّحة خارج الشرعية يُنتج قضاءً مُقيَّداً وأحكاماً مُفصَّلة على قياس موازين القوة،حزب الله ليس تفصيلًا هنا؛ هو السياق الحاكم.
حين يُفرض ميزان القوة، يُكسَر ميزان العدالة،وحين يُدار البلد بمنطق الاستثناء الدائم، تتحوّل الأحكام إلى رسائل سياسية لا قرارات قضائية.
اختبار الشرعية… وقد رسبت الدولة
قضية نوح زعيتر ليست قضية شخص، بل قضية معيار دولة.....دولة تمنح المجرم عقوبة رمزية، وتمنح الضحية سنوات من الانتظار، تكون قد فقدت شرعيتها الأخلاقية والقانونية، لا إصلاح شكلياً يُنقذها، ولا خطابات تُخفي عُريها.
ما المطلوب — إن كانت هناك إرادة
• إنهاء المحاكم الاستثنائية في القضايا المدنية، وحصر الاختصاص بالقضاء الطبيعي.
• فرض سقوف زمنية مُلزِمة للتوقيف الاحتياطي مع رقابة قضائية فعّالة.
• تقييد التقادم في الجرائم الجسيمة ومنع استخدامه كملاذ سياسي.
• حماية استقلال القضاء فعليًا من أي نفوذ مسلّح أو حزبي.
• مساءلة تنفيذية صريحة بدل بيانات الصمت.
من دون ذلك، سيبقى لبنان دولة تُفرِج عن المجرم وتحتجز العدالة.