أوسكار نيوز/ ثقافة
إعداد/ رمضان الدريس
هل فكرت يوماً أن تسافر مع الزّمن؟ تستحضر أخبار الغابرين وتستلهم من آثارهم حكايات مضت، لكنّها نُقشت في صفحات التّاريخ.
في دير الزّور تلتقي البساطة مع عبق الماضي، وتشهد الأمكنة على حياة أفلت، لكنّها تركت آثارها، فكانت الصّحراء موطئ قدم لحضارات إنسانيّة، عرفتها البشريّة، وأقامت فيها آلاف السّنيين. فأيّ تلك الحضارات أقدم زمناً وكيف انقضت وماذا تبقى منها؟
مملكةُ ماري (تل الحريري): تقع جنوب دير الزور، وتبتعد عن مركز المحافظة قرابة 120 كم. تأسَّست عام 2900 قبل الميلاد وكانت دولة سامية قديمة، ازدهرت بوصفها مركزاً حضارياً وتجارياً يصل بلاد الشّام بجنوب العراق. عُثِر على بقايا المدينة الأثريّة عام 1933 ميلادي فكُشِف عن جداريات تحتوي على معاهدات وتحالفات وقواعد ضريبية تعكس الواقع المعاش آنذاك.
وكان من بين ما اكتُشِف تمثالان لأسدَين مصنوعَين من النحاس أحدهما معروض الآن في متحف اللوفر
في باريس في قسم الآثار الشرقية، والآخر(التوأم) كان موجوداً قبل الحرب السورية في المتحف الوطني في حلب
يعد القصر الملكي لـزمري ليم أهم معالم المدينة، حيث يوفر للزائر فرصة رؤية بقايا معمارية وغرف مترابطة وجدران مزينة بالنقوش، فيُلمَس من خلال بقاياه عبق الحياة الملكيّة في الألفية الثانية قبل الميلاد.
وعلى الرغم من توقف أعمال التنقيب بسبب الحرب، وما لحق المدينة من خراب ونهب، بقيت مقصداً لكل من يتوق إلى تجربة فريدة، يتعرف من خلالها على حياة الأمم الغابرة.
دورا أوروبوس (الصّالحيّة): تقع على ضفة نهر الفرات، بُنيت عام 300قبل الميلاد، وسرعان ما أصبحت مركزاً تجارياً مهماً على طريق التجارة الشرقي.
تتحصن المدينة بأسوار محكمة وأبراج مراقبة، وتحتوي على شبكة شوارع ومبانٍ سكنية وحصون عسكريّة، مما يعكس تنظيماً واضحاً داخل المدينة.غطت الرمال أجزاء كبيرة منهابعد أن هجرها سكانها، فُحفِظَت تفاصيلها حتى اليوم.
عُثِر فيها على لوحات ومنحوتات قيمة، نُقِل كثير منها إلى الولايات المتحدة، والآن موجودة في معرض جامعة
ييل للفنون الجميلة الأمريكية، تتضمن أعمالاً فنية وقطعاً أثرية، وصفت بأنها رائعة، كما نقل بعضها إلى متحف اللوفر
في فرنسا.حصلت المدينة على جائزة كارلو سكاريا الدوليّة للمنتزهات لعام 2010 ووصفتها لجنة الحكم بأنّها: تبدو شرفة مدهشة على ضفة نهر الفرات، وملتقى خصوصيا في الجغرافيا، وفي تاريخ سورية عبر آلاف السنين. وقد جمعت عبر الزمن بصمات رفيعة وفريدة النوع لحضارات مختلفة
يمكن اليوم الوقوف عند دورا أوروبوس، وتأمل حجارتها التي بدّل الزمن معالمها، ومعاينة ما تبقى من أسوار وأبواب وقطع يومية استخدمها الناس منذ آلاف السنين.
قلعة الرحبة: تقع قرب مدينة الميادين، ويعود تأسيسها إلى القرن التاسع الميلادي، حيث كانت حصناً منيعاً، فشهدت معارك وصراعات تاريخية، ما جعل منها مركزاً لمواجهات قوى كبرى.
تتربع القلعة على تلة، وترتفع عن سطح البحر قرابة230 متراً تمنح الرَّائي منظراً يحبس الأنفاس، حيث وادي الفرات وامتداد الصحراء اللامتناهي، إضافة إلى مشهد غروب الشمس الساحر من خلف سور القلعة، ثم إنّها تزداد تألقاً وجمالاً في فصل الرّبيع إذ تلفها الأزهار والأعشاب الصّحراويّة من كلّ جانب.
على الرغم من الدمار الذي أصابها بسبب الحروب ومرور الزمان تحتفظ القلعة بمعالمها الـرئيسة، فتُرى فيها الجدران الضخمة والأبراج والممرات الحجرية، شاهدة على حقبة زمنية مثقلة بالصراعات.
ليست هذه المواقع آخر ما تبقى، بل ثمة مواقع أثرية، عمرها آلاف السنين، وجدت على أرض الجزيرة السورية ككل، تشهد بتعاقب الحضارات، وتروي قصص أناس مرّوا، فتركوا إرثاً عظيماً يستحق أن يُخلّد على جدران الزمن.