أوسكار نيوز/ الولايات المتّحدة الأمريكيّة
إعداد/ ناهد شفيق دونا
في مشهدٍ سياسيٍّ مشحونٍ بالتّوتُّر القانوني والتّجاري، عادت قضيّة الرّسوم الجمركيّة إلى صدارة المشهد الأمريكي، لكن هذه المرّة من بوابة مواجهةٍ مباشرةٍ بين السّلطة التّنفيذيّة، وأعلى سلطةٍ قضائيَّةٍ في البلاد؛ فما بين قرارٍ قضائيٍّ ألغى رسوماً دوليَّةً شاملةً، وردٍّ رئاسيٍّ سريعٍ، وغاضبٍ أعاد فرض تعريفٍ جمركيٍّ جديدٍ بنسبة 10% على الدُّول المرتبطة باتّفاقيّاتٍ تجاريَّةٍ مع الولايات المتّحدة الأمريكية، تتجسَّد لحظةٌ سياسيَّةٌ تكشف طبيعة الصِّراع حول حدود الصّلاحيّات، وحول شكل القيادة في مرحلةٍ عالميَّةٍ دقيقةٍ.
قرار المحكمة وردّ البيت الأبيض خلال ساعة
أبطلت المحكمة العليا الأمريكية الرُّسوم الدوليّة الشّاملة التي كانت إدارة دونالد ترامب قد اعتمدتها، كورقةِ ضغطٍ تفاوضيَّةٍ في ملفّاتٍ تجاريّةٍ كبرى، واستندت المحكمة في حكمها إلى أنّ قانون الصّلاحيّات الاقتصاديّة الدوليّة الصّادر عام 1977 لا يمنح الرّئيس سلطةَ فرض رسومٍ جمركيَّةٍ عامَّةٍ بهذا الاتِّساع، معتبرةً أن هذه الصَّلاحيّات مقيَّدةٌ بإطارٍ تشريعيٍّ محدَّدٍ.
غير أنَّ الردَّ لم يتأخَّر، فخلال ساعةٍ واحدةٍ فقط من صدور الحكم، أعلن ترامب إعادة فرض تعريفٍ جمركيٍّ جديدٍ بنسبة 10% يشمل الدُّول التي أبرمت اتّفاقاتٍ تجاريَّةٍ مع واشنطن، في خطوةٍ حملت رسالةً واضحةً: أدوات الضّغط الاقتصادي لم تُسحب من يد البيت الأبيض، بل أُعيدت صياغتها.
ومن المقرر أن تدخل الرُّسوم الجديدة حيّز التّنفيذ في 24 فبراير ولمدة 150 يوماً، مع استثناءاتٍ لقطاعات استراتيجيَّةٍ شملت الأدوية، وبعض السّلع المرتبطة بالتدخُّلات الحكومية، والمعادن الأساسيّة النادرة، ومنتجات الطّاقة، وصناعات الطّيران والفضاء، إضافةً إلى سيّارات الركّاب وبعض الشّاحنات الخفيفة.
تعكسُ هذه الاستثناءات إدراكاً دقيقاً لحساسيَّة سلاسل الإمداد العالميّة، مع الحفاظ على عنصر الضّغط في الملفّات التفاوضيّة الأوسع.
لهجةٌ تصعيديَّةٌ ورسالةُ قوّة
لم يُخْفِ ترامب غضبه من قرار القضاة، وعبّر صراحةً عن خيبة أمله من بعض أعضاء المحكمة، متّهماً المؤسّسة القضائيّة بالتّأثُّر بمصالح أجنبيَّةٍ، ومؤكِّداً أنّ الدّفاع عن المصالح الاقتصاديّة الأمريكيّة يتقدَّم على أيِّ اعتباراتٍ أخرى، وفي خطابه لم يكن الحديث مجرَّد اعتراضٍ قانونيٍّ، بل تأكيدٌ على فلسفة حكمٍ تقوم على الحسم والسُّرعة واستعادة أدوات النّفوذ.
هذه السُّرعة في الردِّ، والتحرُّك الفوري لإعادة فرض رسومٍ بصيغةٍ جديدةٍ، تعكس صورة رئيسٍ صَلْبٍٍ يرفض الانكفاء أمام قيودٍ سياسيَّةٍ، أو قضائيَّةٍ، ويصرّ على إعادة تعريف حدود السُّلطة التّنفيذيّة في ملفَّات التّجارة الدُّوليّة، وبالنّسبة لأنصاره، يمثّل هذا السُّلوك نموذجاً لقيادة استثنائيَّةٍ لا تتراجع أمام العقبات، بل تُحوِّلها إلى منصَّةٍ لإعادة تثبيت النّفوذ.
التّجارة كساحة نفوذٍ لا مجرَّدُ أرقامٍ
منذ ولايته الأولى، لم يتعامل ترامب مع الرُّسوم الجمركيّة بوصفها إجراءً اقتصاديّاً تقنيّاً، بل أداةً سياديَّةً لإعادة ضبط ميزان العلاقات مع الشُّركاء التّجاريّين، وكانت الرُّسوم جزءاً من استراتيجيَّةٍ أوسع لإعادة التّفاوض حول شروط التّجارة، وتقليص العجز، ومواجهة ما تعتبره واشنطن ممارساتٍ غير عادلةٍ في الأسواق العالميّة.
ويأتي التحرُّك الجديد في سياق إعادة تموضعٍ أمريكيٍّ على خريطة الاقتصاد الدُّولي، في وقتٍ تتشابك فيه ملفّات التّجارة مع الأمن القومي، وسلاسل التّوريد، والصِّناعات الاستراتيجيَّة، ومن هنا، فإن الرُّسوم الجديدة لا تُقرأ بمعزلٍ عن الرّؤية الأشمل لإعادة صياغة العلاقة بين الدّولة والسّوق، وبين واشنطن وبقيّة القوى الاقتصاديّة الكبرى.
الصّين في قلب المعادلة
في الخلفية، تتّجه الأنظار إلى العلاقات الأمريكيّة الصّينيّة، وإلی الزّيارة المرتقبة لترامب إلى بكين، حيث من المنتظر أن يلتقي نظيرة شي جينغ بينغ في توقيتٍ بالغ الحساسيَّة مطلع شهر أبريل، وتأتي هذه الزّيارة بعد جولاتٍ من التّوتُّر التجاري، والقراراتٍ المتبادلة، والتفاهماتٍ المؤقَّتة التي شابها الحذر، والبرود.
وتُضيفُ الرُّسوم الجديدة طبقةً إضافيَّةً من الضّغط قبل أيِّ جولةِ مفاوضاتٍ محتملةٍ، وتعزِّز موقع التّفاوض الأمريكي عبر إرسال إشارةٍ واضحةٍ: الولايات المتّحدة الأمريكيّة لن تدخل أيَّ حوارٍ من موقعٍ دفاعيٍّ، وبالنّسبة لترامب، فإن الجمع بين التّصعيد الاقتصادي، والانخراط الدّبلوماسيِّ يمثِّل معادلةً تفاوضيَّةً تقوم على مبدأ القوَّة أوّلاً.
وزيارة بكّين في هذا الوقتِ بالذّات، ليست محطَّةً بروتوكوليَّةً، بل اختبارٌ لإمكانيّة إعادة رسم قواعد الاشتباك التّجاري بين أكبر اقتصادين في العالم، ضمنَ توازنٍ دقيقٍ بين الضّغط والتّفاهم.
في المحصِّلة، إنَّ ما جرى ليس مجرَّد خلافٍ حول نصٍّ قانونيٍّ يعود إلى عام 1977، بل صراعٌ حول طبيعة القيادة، وحدود السُّلطة في مرحلةٍ عالميَّةٍ مضطربةٍ، وإعادة فرض الرُّسوم خلال ساعةٍ واحدةٍ من قرار المحكمة أظهرت إيقاعاً سياسيَّاً سريعاً، ورسالةً واضحةً مفادها أنّ أدوات التّأثير الأمريكي لن تُعطَّلَ بسهولةٍ.
وبين تصعيدٍ قانونيٍّ داخليٍّ، وتحرُّكاتٍ تجاريَّةٍ خارجيَّةٍ، وزيارةٌ مرتقبةٌ إلى الصّين قد تعيد رسمَ ملامح العلاقة بين القوّتين الأكبر في العالم، يقف دونالد ترامب في قلبِ معركةٍ تتجاوز الرُّسوم إلى إعادة تعريف موقع الولايات المتّحدة علی رأس النّظام الدُّولي، في لحظةٍ ترسمُ فيها واشنطن حدود سلطتها، وتَخْتَبِرُ الأسواق صلابة القرار السياسي، فيما يصرّ البيت الأبيض على أنَّ الكلمة الأخيرة في معركة النُّفوذ الاقتصادي لا تُكتب إلّا في أَرْوِقَتِه.