أوسكار نيوز/ تكنولوجيا
إعداد/ علاء عبد العزيز الطويل
تشهد القارة الأوروبية تحولات متسارعة في سياساتها التقنية، مع تصاعد الدعوات إلى تحقيق “السيادة الرقمية” وتقليل الاعتماد على الشركات التكنولوجية الأمريكية، وفي مقدمتها مايكروسوفت، وتبرز فرنسا في طليعة هذا التوجه، عبر خطوات عملية تهدف إلى استبدال الأنظمة والبرمجيات الأمريكية بحلول محلية أو مفتوحة المصدر.
وأعلنت جهات حكومية فرنسية خططاً للتخلي التدريجي عن نظام “ويندوز” لصالح أنظمة “لينكس”، إلى جانب استبدال أدوات الاتصال والعمل التعاوني الأمريكية بمنصات أوروبية، في خطوة تعكس تحوّلاً استراتيجياً نحو تعزيز الاستقلالية التقنية، وتأتي هذه الإجراءات ضمن توجه أوسع داخل الاتحاد الأوروبي، الذي بدأ بدوره في ضخ استثمارات كبيرة لتطوير بنية تحتية رقمية مستقلة، من بينها تخصيص نحو 180 مليون يورو لمشاريع الحوسبة السحابية الأوروبية.
ويعزو مسؤولون أوروبيون هذا التحول إلى جملة من المخاوف، أبرزها السيطرة على البيانات والاعتماد المفرط على شركات خارجية، وفي هذا السياق، حذّر نواب في البرلمان الأوروبي من أن استمرار الاعتماد على الأنظمة الأمريكية قد يعرّض القارة لمخاطر سياسية وأمنية، خاصة في ظل القوانين الأمريكية التي قد تتيح الوصول إلى البيانات المخزنة عبر هذه الشركات.
كما تعكس استطلاعات الرأي تنامي القلق الشعبي، إذ يرى غالبية الأوروبيين أن القارة أصبحت رهينة للتكنولوجيا الأمريكية، مع تصاعد المخاوف من فقدان السيطرة على البيانات الحساسة. ويعزز هذا القلق واقع السوق، حيث تهيمن الشركات الأمريكية على ما يقارب 70% من سوق الحوسبة السحابية في أوروبا، ما يطرح تحديات كبيرة أمام تحقيق استقلال تقني فعلي.
ولا يقتصر هذا التوجه على فرنسا، إذ بدأت دول أوروبية أخرى، مثل ألمانيا والنمسا، خطوات مماثلة لاعتماد البرمجيات مفتوحة المصدر داخل المؤسسات الحكومية، في حين تدرس دول مثل إستونيا خيارات بديلة لتقليل الاعتماد على مزودي التكنولوجيا الأمريكيين.
في المقابل، يرى خبراء أن هذا التحول، رغم أهميته، لن يكون سريعاً أو سهلاً، نظراً لعمق التشابك التقني والاقتصادي مع الشركات الأمريكية، إضافة إلى الفجوة في بعض المجالات المتقدمة مثل الذكاء الاصطناعي والخدمات السحابية.
وفي المحصلة، لا تبدو أوروبا بصدد قطيعة كاملة مع التكنولوجيا الأمريكية، بل تتجه نحو استراتيجية “تقليل المخاطر” وإعادة التوازن، عبر بناء قدرات محلية تتيح لها التحكم بمستقبلها الرقمي، في عالم باتت فيه التكنولوجيا أحد أهم أدوات النفوذ والسيادة.