بين "السبر" وصدمة الصف: كيف تدمج وزارة التربية الطلاب العائدين من الخارج؟ - أوسكار نيوز

تتناول المقالة تحديات دمج الطلاب السوريين العائدين من الخارج في المدارس، بين آليات رسمية كـ“السبر” والمنهاج التمكيني، وواقع ميداني يكشف فجوات لغوية ونفسية، يحمّل الأسرة عبء التكيّف ويطرح تساؤلات حول جاهزية النظام التعليمي.

بين "السبر" وصدمة الصف: كيف تدمج وزارة التربية الطلاب العائدين من الخارج؟ - أوسكار نيوز

أوسكار نيوز/ تعليم
إعداد/ كنان عز الدين
مع تزايد عودة العائلات السورية من دول اللجوء، يبرز سؤال ملحّ داخل المدارس:
هل النظام التعليمي مهيأ فعلاً لاستقبال طلاب عاشوا سنوات طويلة في مناهج ولغات مختلفة؟
هذا التقرير يستند إلى شهادات عائلات عائدة من تركيا وأوروبا، ويضعها في مواجهة الرد الرسمي الذي قدّمه مدير التعليم في وزارة التربية والتعليم، الأستاذ محمد سائد قدور، حول آليات دمج هؤلاء الطلاب.
على الورق… "سبر" وتصنيف وبرامج مسرّعة
يوضح قدور أن الوزارة تنفذ ما يُعرف بـ “سبر للطلاب” عند عودتهم، بهدف تقييم مستواهم الدراسي، وتصنيفهم وفق نتائج واضحة.
وبحسب الرد الرسمي:
• يتم فرز الطلاب إلى فئات.
• تُخصّص "الفئة ب" للطلاب الذين يعانون من تقصير دراسي.
• يُتاح لهؤلاء متابعة برامج تعليمية مسرّعة تساعدهم على التقدم لمستويات أعلى.
• في الحالات الفردية، خاصة في المدارس النائية، يصعب تطبيق البرامج بالشكل التقليدي، ما يستدعي تكثيف دور الأهل.
كما أشار إلى إعداد “منهاج تمكيني” في اللغة العربية، يهدف إلى تعزيز المهارات اللغوية تدريجياً، ليكون رافداً تعليمياً داعماً للطالب.
على مستوى الدعم النفسي، تؤكد الوزارة وجود مرشدين نفسيين واجتماعيين، مع العمل حالياً على إعادة هيكلة نظام الإرشاد ودمجه تحت إدارة الإشراف التربوي لتحسين الأداء.
كذلك لفت قدور إلى خطة مستقبلية لإنشاء مراكز تعليمية صيفية لدمج الطلاب العائدين ضمن دورات مكثفة.
في الصف… تجربة مختلفة
لكن الصورة الميدانية، كما ترويها آية، أم لثلاثة أطفال عادوا من تركيا بعد تسع سنوات، تبدو أكثر تعقيداً.
تقول إن أبناءها لم يخضعوا لبرنامج واضح بعد العودة، وإن العبء الأكبر في تعويض الفجوة اللغوية وقع على الأسرة.
“أولادي كانوا متفوقين بتركيا… هون صاروا يبكوا وقت الامتحانات بسبب ضغط اللغة.”
وتوضح أن الصفوف المكتظة – التي تضم أحياناً أكثر من 40 طالباً – تجعل من الصعب تقديم دعم فردي فعلي، خاصة للأطفال الذين يقرأون العربية بلفظ غير مألوف أو يخلطون بين اللغتين.
صخر الرداوي، أب لطفلين عادا بعد عشر سنوات في إسطنبول، يؤكد أن الحل العملي كان اللجوء إلى الدروس الخصوصية، رغم أن أبناءه درسوا نفس المواد تقريباً، لكن بلغة مختلفة.
“المشكلة ما كانت بالمحتوى… كانت بطريقة الكتابة والامتحان.”
هنا تبرز فجوة بين ما هو مخطط على مستوى السياسات، وما هو مطبّق داخل الصف.
تحديات التوزيع… وواقع المناطق النائية
تشير الوزارة إلى أن أحد أبرز التحديات يتمثل في توزّع الطلاب العائدين في مناطق متفرقة، وأحياناً وجود حالات فردية داخل مدرسة نائية، ما يصعّب تخصيص برامج مستقلة لهم أو نقل معلمين متخصصين.
وتؤكد أن هذا الواقع يجعل دعم الأهل جزءاً أساسياً من المعادلة.
غير أن هذا الطرح يثير تساؤلاً عملياً:
إلى أي مدى يمكن تحميل الأسرة مسؤولية سد فجوة نظامية ناتجة عن انتقال جذري بين بيئتين تعليميتين مختلفتين؟
اللغة… مهارة أم هوية؟
تعترف الوزارة بأن كثيراً من الطلاب العائدين يمتلكون مهارات في لغات أجنبية كـ التركية أو الإنجليزية، لكنهم يفتقرون أحياناً إلى أساسيات اللغة العربية، مثل معرفة الحروف.
هذا النقص قد يولّد إحباطاً نفسياً لدى الطفل، بحسب الرد الرسمي، وهو ما تحاول الوزارة معالجته عبر المنهاج التمكيني والإرشاد النفسي.
لكن شهادات الأهالي تشير إلى أن المشكلة لا تتعلق فقط بالحروف، بل بفجوة أعمق بين:
• لغة المنزل
• اللغة المدرسية
• وطريقة التقييم القائمة على الكتابة الدقيقة
آية تصف حالة ابنها بقولها:
“يسألني ليش ما منكتب متل ما منحكي… بالنسبة إله في لغتين، مو لغة وحدة.”
هل التعليم يعتمد على الحفظ؟
ينفي مدير التعليم أن يكون النظام الحالي قائماً حصراً على الحفظ، مؤكداً أن المنهاج يسعى لتنمية مهارات القراءة، الاستماع، والتعلم التفاعلي والإبداعي، مع اختلاف أساليب التدريس من مدرسة إلى أخرى بحسب خبرات المعلمين.
غير أن عدداً من الأهالي يرون أن الواقع العملي ما زال يعتمد بدرجة كبيرة على الامتحان التحريري والحفظ، ما يخلق صعوبة خاصة للطلاب القادمين من أنظمة تعليمية تفاعلية.
التجربة الأوروبية… اختلاف في الفلسفة
بحسب رصد تجارب عائلات عادت من ألمانيا وفرنسا، فإن الصدمة لا تكون لغوية فقط، بل فلسفية.
الأطفال المعتادون على:
• النقاش المفتوح
• طرح الأسئلة
• وجود مرشد نفسي دائم
• تقييم قائم على الفهم
يجدون أنفسهم في بيئة تعليمية مختلفة في الإيقاع والتوقعات.
وهنا لا تكون المشكلة في القدرة، بل في التكيّف.
بين الجهد الرسمي والواقع الميداني
لا يمكن تجاهل أن الوزارة تعترف بوجود تحديات فعلية:
• تشتت جغرافي للطلاب
• صعوبة تخصيص معلمين متخصصين
• تفاوت تطبيق الدعم النفسي بين المدارس
كما أن وجود “سبر” ومنهج تمكيني وخطط صيفية يشير إلى محاولة معالجة المشكلة مؤسساتياً.
لكن في المقابل، تشير الشهادات الميدانية إلى أن:
• البرامج لا تصل دائماً إلى جميع المدارس
• العبء الأكبر يقع على الأسرة
• الضغط النفسي لا يُرصد مبكراً في كثير من الحالات
مرحلة انتقالية لم تُستكمل بعد
بين ما تخطط له السياسات، وما يعيشه الطفل داخل الصف، تبقى هناك فجوة انتقالية واضحة.
الطلاب العائدون ليسوا حالات فردية معزولة، بل شريحة آخذة في الاتساع، تحمل لغات متعددة وتجارب تعليمية مختلفة.
نجاح دمجهم لا يتوقف فقط على وجود “سبر” أو “منهاج تمكيني”، بل على:
• قدرة الصف على استيعاب الفروق
• فاعلية الإرشاد النفسي
• مرونة آليات التقييم
• وتخفيف العبء عن الأسرة
فبين لغتين، ونظامين، وتجربتين متباينتين، يقف الطفل العائد اليوم أمام تحدٍّ مزدوج:
أن يتعلم… وأن يعيد تعريف انتمائه التعليمي في آنٍ معاً.

الكلمات المفتاحية:

التعليم في سوريا، الطلاب العائدون، الاندماج التعليمي، اللغة العربية، التحديات التعليمية

التصنيفات:

Syria

جاري التحميل...