أوسكار نيوز/ رأي
بقلم/ نور عباس
يشكّل كتاب "تفكيك الأمم: جدل في النزعات الانفصالية وإدارتها" للدكتور عبد القادر نعناع إسهامًا علميًا رصينًا في حقل الدراسات السياسية والاجتماعية، حيث يقدّم معالجة معمّقة لإحدى أكثر القضايا إلحاحًا في عالم اليوم: مسألة الانفصال والهويات الفرعية في ظل الدولة القومية الحديثة. ينطلق المؤلف من خلفية أكاديمية متينة، إذ يمزج بين التأسيس النظري المستند إلى مدارس الفكر السياسي والاجتماعي الكبرى، وبين التحليل النقدي للواقع العربي الذي يرزح تحت أزمات الهوية والانقسام.
لا يكتفي الكتاب بوصف الظاهرة، بل يسعى إلى تفكيك بنيتها الداخلية، وإبراز العوامل التي تغذيها، سواء كانت داخلية مرتبطة بالوعي الجمعي والنخب واللغة والجغرافيا، أم خارجية مرتبطة بالاحتلال والعولمة والتدخلات الدولية. ومن خلال هذا التشريح، يضع المؤلف القارئ أمام صورة مركبة، حيث الانفصال ليس مجرد خيار سياسي، بل هو نتاج تفاعل طويل بين التاريخ والهوية والسلطة.
الإطار النظري وبنية المفاهيم
يؤسس المؤلف عمله على مراجعة دقيقة للنظريات التي تناولت نشوء القوميات والهويات، إذ تفسر النظرية الماركسية القومية على أنّها انعكاس للبنية الاقتصادية وصراع الطبقات، بينما تنظر الليبرالية إلى القومية بوصفها نتاج الحرية الفردية وبناء الدولة الحديثة. أما نظريات العلاقات الدولية فتتعامل مع القومية بوصفها أداة في التوازنات والصراعات بين الدول. ويضيف المؤلف إلى ذلك المقاربة الإثنية الرمزية التي تركز على اللغة والرموز والذاكرة الجمعية، ونظرية التعددية الثقافية التي تطرح إمكانية إدارة التنوع داخل الدولة الواحدة عبر الاعتراف والتمثيل.
من خلال هذا العرض، يوضح المؤلف أن القومية ليست حقيقة ثابتة، بل بناء اجتماعي وسياسي يتشكل عبر التاريخ. ومن هنا، يقدّم تعريفًا دقيقًا للنزعة الانفصالية باعتبارها حركة سياسية ومجتمعية ذات طبيعة إثنية، تقودها نخب داخل دولة قومية، لإعادة تعريف الذات في مواجهة الآخر، والسعي إلى إنشاء دولة – أمة مستقلة، باستخدام أدوات سياسية واقتصادية وعسكرية وثقافية، فيضع هذا التعريف الانفصال في سياقه الصحيح: ليس مجرد مطلب حقوقي، بل مشروع سياسي معقّد يتجاوز حدود الدولة إلى النظام الدولي.
التجارب العالمية والأزمة العربية
يستعرض الكتاب تجارب عالمية متباينة في التعامل مع النزعات الانفصالية، إذ أدى انهيار الاتحاد السوفيتي في أوروبا الشرقية إلى بروز كيانات جديدة، بعضها جاء عبر تقسيم سلمي كما في تشيكوسلوفاكيا، وبعضها عبر حروب أهلية دامية كما في يوغسلافيا. وفي أفريقيا، لعبت العوامل الاستعمارية والموارد الطبيعية دورًا محوريًا في إذكاء النزاعات الإثنية، كما في السودان وإثيوبيا وسيراليون. أما أوكرانيا فتمثل نموذجًا حديثًا لانقسام الهوية بين الشرق والغرب، وتدخل الفاعلين الدوليين في إعادة رسم الحدود.
غير أن التجربة العربية تحمل خصوصيتها، فقد نشأت الدولة العربية الحديثة بحدود استعمارية، ما جعلها تحمل أزمتين متداخلتين: تقسيم الأمة العربية إلى كيانات صغيرة، وإدماج جماعات إثنية داخل حدود لم تُصمَّم لاحتوائها، وقد أنتج هذا نزاعات أهلية في لبنان والسودان واليمن والصومال، ومطالب انفصالية في جنوب السودان وكردستان العراق والصحراء الغربية. ومع اندلاع الثورات العربية عام 2011، عادت هذه الإشكاليات إلى الواجهة، حيث رأت الأقليات في الحراك الشعبي فرصة سياسية لتجديد مطالبها، سواء عبر الاحتجاج السلمي أم عبر العنف المسلح.
ينتقد المؤلف الخطابات العربية التي تعاملت مع هذه الإشكاليات، فقد ظل الخطاب الإسلامي يتأرجح بين الشورى والديمقراطية، دون أن يقدّم صيغة واضحة لإدارة التنوع. أما الخطاب العلماني فطرح الدولة المدنية لكنه تجاهل البعد الإثني. وركز الخطاب القومي العربي على الوحدة لكنه فشل في إدارة التعدد الداخلي. أما الخطابات الأقلوية فسعت إلى تثبيت خصوصياتها لكنها اصطدمت بالسلطة المركزية. النتيجة أن جميع هذه الخطابات أسهمت في تفكيك الدولة بدلًا من ترسيخها، لأنها لم تقدّم نموذجًا ديمقراطيًا تشاركيًا قادرًا على إدارة التنوع.
نحو إدارة ديمقراطية للتنوع
في الفصول الأخيرة، ينتقل المؤلف من التشخيص إلى البحث عن حلول. وهنا، يطرح مجموعة من الآليات التي يمكن أن تسهم في إدارة التعددية الثقافية والإثنية بعيدًا عن خيار الانفصال.
أول هذه الآليات هو الديمقراطية، التي يراها المؤلف شرطًا أساسيًا لإدارة التنوع. وهو يميز بين الديمقراطية التوافقية التي تقوم على إشراك جميع المكونات في السلطة، والديمقراطية التنافسية التي تقوم على تداول السلطة عبر الانتخابات، والانتقال الديمقراطي الذي يتيح للمجتمعات الانتقال من السلطوية إلى المشاركة. كما يناقش جدلية الحريات الفردية والجماعية، باعتبارها إحدى أهم التحديات في المجتمعات المتعددة.
الآلية الثانية هي العدالة، التي يراها المؤلف حجر الزاوية في أي عقد اجتماعي جديد. فالعدالة الإثنية تقتضي الاعتراف بحقوق الجماعات المختلفة، والمساواة قد تحتاج أحيانًا إلى تفضيل إيجابي لتعويض الفوارق التاريخية. كما أن المشاركة السياسية والعدالة الانتقالية تشكلان أدوات أساسية لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.
أما الآلية الثالثة فهي الحكم اللامركزي، الذي يتيح للجماعات إدارة شؤونها المحلية ضمن إطار الدولة. يناقش المؤلف الفيدرالية والحكم الذاتي، ويعرض مزايا وعيوب الفيدرالية، ويستحضر نماذج مقارنة مثل أطروحات ويل كيمليكا حول التعددية الثقافية. ويخلص إلى أن اللامركزية قد تكون وسيلة للحفاظ على الدولة، إذا ما صُممت بطريقة تضمن المساواة في المواطنة وتمنع الانفصال.
في ضرورة الكتاب
يخلص الكتاب إلى أن الانفصال ليس حلًا للأزمات الإثنية، بل هو إعادة إنتاج لها في صورة جديدة، إذ سرعان ما ستظهر أقليات جديدة داخل الكيان المستقل. الحل يكمن في إدارة التنوع بعدالة وديمقراطية، عبر آليات تشاركية تعترف بالهويات وتمنحها حقوقها، دون أن تهدم الدولة.
وتكمن القيمة الكبرى لهذا الكتاب في أنه يجمع بين التأسيس النظري والتحليل الواقعي، ويقدّم قراءة نقدية جريئة للخطابات العربية، ويضعها في سياق عالمي أوسع. وهو بذلك يشكّل مرجعًا مهمًا للباحثين في قضايا القومية والهويات والانفصال، ولصنّاع القرار الذين يواجهون تحديات إدارة التنوع في مجتمعاتهم.
وتكتسب قراءة كتاب "تفكيك الأمم: جدل في النزعات الانفصالية وإدارتها" أهمية خاصة في السياق السوري الراهن، لعدة اعتبارات متشابكة تجعل من أطروحاته أكثر من مجرد دراسة نظرية، بل أداة لفهم الواقع السوري وتفكيك تعقيداته.
أولًا، لأن سوريا تمثل نموذجًا حيًا للدولة التي نشأت بحدود استعمارية لم تراعِ التكوينات الإثنية والدينية والمذهبية داخلها. هذا ما جعلها عرضة منذ نشأتها لأزمات هوية متراكمة، تفاقمت مع ضعف الدولة المركزية وتراجع قدرتها على إدارة التنوع. الكتاب يقدّم إطارًا نظريًا يساعد على فهم كيف تتحول هذه التباينات إلى نزعات انفصالية أو مطالب حكم ذاتي، وكيف يمكن أن تُدار بآليات ديمقراطية وعدلية بدلًا من القمع أو التفكك.
ثانيًا، لأن التجربة السورية منذ عام 2011 أعادت طرح كل الأسئلة التي يناقشها الكتاب: شكل الدولة، طبيعة الحكم، موقع الهويات الفرعية، وحدود الانتماء الوطني. فالحراك الشعبي وما تلاه من صراع مسلح كشف هشاشة العقد الاجتماعي السوري، وأبرز مطالب مكونات إثنية كالأكراد، إلى جانب بروز خطابات طائفية وجهوية. قراءة الكتاب في هذا السياق تتيح فهم هذه الظواهر ضمن إطار أوسع، يربطها بالتجارب العالمية ويضعها في سياق تاريخي وسياسي متكامل.
ثالثًا، لأن الكتاب يقدّم بدائل عملية لإدارة التنوع، مثل الديمقراطية التوافقية، والعدالة الانتقالية، والحكم اللامركزي. هذه الأدوات ليست بعيدة عن النقاش السوري الحالي حول مستقبل الدولة، بل تمثل خيارات مطروحة في أي عملية سياسية أو دستورية مقبلة. ومن هنا، فإن استيعابها نظريًا ومقارنتها بتجارب أخرى يمنح السوريين – نخبًا ومجتمعًا – أدوات فكرية لتجنب إعادة إنتاج الصراع.
رابعًا، لأن المؤلف يبيّن أن الانفصال ليس حلًا نهائيًا، بل قد يفتح الباب أمام أزمات جديدة، إذ سرعان ما تظهر أقليات داخل الكيانات المستقلة. هذه الفكرة بالذات ذات صلة مباشرة بسوريا، حيث أي تقسيم محتمل لن يحلّ المشكلة، بل سيعيد إنتاجها في كيانات أصغر، ما يجعل من إدارة التنوع داخل الدولة الواحدة خيارًا أكثر واقعية واستدامة.
إن أهمية قراءة هذا الكتاب في السياق السوري تكمن في أنه يوفّر عدسة تحليلية لفهم جذور الأزمة، ويقدّم خريطة فكرية للخيارات الممكنة، ويذكّر بأن الحل لا يكمن في الانفصال أو القمع، بل في بناء عقد اجتماعي جديد يقوم على العدالة والمشاركة والاعتراف بالهويات. بهذا المعنى، يصبح الكتاب ليس مجرد دراسة أكاديمية، بل مساهمة في النقاش السوري حول مستقبل الدولة والمجتمع.
اقرأ أيضاً:
[نيكولو باغانيني: عازف الكمان الإيطالي الذي باع روحه للشيطان مقابل الموهبة
](https://oscar-news.com/article/%D9%86%D9%8A%D9%83%D9%88%D9%84%D9%88-%D8%A8%D8%A7%D8%BA%D8%A7%D9%86%D9%8A%D9%86%D9%8A-%D8%B9%D8%A7%D8%B2%D9%81-%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%85%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%8A%D8%B7%D8%A7%D9%84%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B0%D9%8A-%D8%A8%D8%A7%D8%B9-%D8%B1%D9%88%D8%AD%D9%87-%D9%84%D9%84%D8%B4%D9%8A%D8%B7%D8%A7%D9%86-%D9%85%D9%82%D8%A7%D8%A8%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%88%D9%87%D8%A8%D8%A9)