أوسكار نيوز/ الشرق الأوسط
بقلم/ ناهد شفيق دونا
في زمن الحروب الكبری، كلّما ارتفع صخب الخطاب السِّياسي، وتكاثرت التِّهديدات والشِّعارات، غالباً ما يكون ذلك إشارةً معاكسةً لما يجري فعليَّاً على الأرض، فالقويُّ لا يملك الوقت الكافي لصياغة سيناريوهات الاستعراض المخادع، والقوَّة الحقيقيّة نادراً ما تحتاج إلى الضَّجيج، لأنَّها تعمل بصمتٍ وتترك نتائجها تتحدث عنها.
أمَّا حين يتحوَّل التّصعيد إلى استعراضٍ لفظيٍّ متكرِّرٍ، فإنَّ ذلك يكون في كثيرٍ من الأحيان محاولةً لملء فراغٍ يخلّفه تراجع الأداء العمليّاتي، وفي هذا السِّياق تحديداً، تكشف المعطيات الميدانيّة الأخيرة عن تحوُّلٍ واضحٍ في طبيعة الأداء العسكري الإيراني، حيث يظهر انخفاضٌ ملحوظٌ في كثافة إطلاق الصَّواريخ الباليستيّة، والطّائرات المسيّرة، مقابل محاولةِ تعويض هذا التَّراجع عبر أدواتِ ضغطٍ اقتصاديَّةٍ، وجيوسياسيَّةٍ تمتدُّ إلى أسواق الطَّاقة والملاحة النّفطيّة.
تشير المعطيات العمليّاتيّة خلال اليوم الأخير، إلى انخفاضٍ ملحوظٍ في وتيرة إطلاق الصَّواريخ الباليستيّة الإيرانيّة مقارنةً بالأيّام السّابقة من المواجهة، فقد تمَّ تسجيل إطلاقِ عددٍ محدودٍ نسبيّاً من الصّواريخ باتِّجاه عدّة دولٍ خليجيَّةٍ، توزَّعت على تسعةِ صواريخ باتِّجاه الإمارات، وتسعةٍ أخرى نحو قطر، وصاروخين باتِّجاه البحرين، وثلاثة صواريخ نحو السُّعودية، وتشير المعلومات إلى أنَّ منظومات الدِّفاع الجوِّي في تلك الدُّول تمكَّنت من اعتراض جميع هذه الصّواريخ تقريباً، باستثناء صاروخٍ واحدٍ سقط في منطقةٍ مفتوحةٍ داخل الإمارات دون أن يؤدِّي إلى أيِّ أضرارٍ تذكر، كما أعلنت الكويت عن تعرُّضها لمحاولةِ إطلاق صواريخ دون تحديد العدد، لكنّها أكّدت في الوقت ذاته عدم وقوع أيِّ خسائر، بينما لم تسجِّل سلطنة عمان أيَّ استهدافٍ صاروخيٍّ خلال الفترة نفسها.
يعكس هذا الانخفاض في حجم الضَّربات عدَّة عواملَ محتملةٍ، أوَّلها الضَّربات المسبقة التي استهدفت مواقع إطلاق الصّواريخ، والبنية التّحتيّة العسكريّة المرتبطة بها داخل الأراضي الإيرانيّة، وهو ما قد يكون أدّى إلى إضعاف القدرة اللّوجستيّة على تنفيذ إطلاقاتٍ مكثّفةٍ ومتزامنةٍ، كما حدث في الأيّام الأولى من المواجهة، فالصّواريخ الباليستيّة، رغم كونها سلاحاً استراتيجيّاً، تحتاج إلى منظومةِ دعمٍ معقَّدةٍ تشمل منصّات إطلاقٍ، ومراكز قيادةٍ واتِّصالاتٍ، وتأمينِ نقل الوقود والرُّؤوس الحربيّة، وأيُّ خللٍ في هذه السِّلسلة يؤدّي تلقائيّاً إلى انخفاض وتيرة الاستخدام.
أما في السّاحة المرتبطة بالمواجهة مع إسرائيل، فقد ظهر التّراجع بشكلٍ أوضح، إذْ تشير التّقديرات إلى أنّ عدد الصّواريخ التي أُطلقت مباشرةً من إيران باتّجاه إسرائيل خلال تلك الفترة تراوح بين ستّة وتسعة صواريخ فقط، وهو رقمٌ منخفضٌ مقارنةً بالتَّوقُّعات التي كانت تشير إلى إمكانيّة تنفيذ ضرباتٍ أكثر كثافةً.
وفي محاولةٍ لتعويض هذا الانخفاض، لجأت طهران إلى توسيع دور حلفائها الإقليميِّين، وعلى رأسهم حزب اللّه في لبنان، لكنَّ طبيعة المشاركة التي ظهرت على الأرض لم تكن بالحجم الذي روّجت له الدِّعاية الإعلاميّة المرتبطة بمحور طهران، فمعظم الصَّواريخ التي أُطلقت من جنوب لبنان كانت من نوع غراد قصيرة المدى، وهي صواريخ ذات تأثيرٍ تكتيكيٍّ محدودٍ، وغالباً ما تُستخدم لخلق حالة ضغطٍ نفسيٍّ، أو لدفع السكَّان المدنيِّين إلى الابتعاد عن مناطقِ التَّماس الحدوديّة، فقد تركَّزت هذه الضّربات بشكلٍ أساسيٍّ على المناطق القريبة من الحدود، ضمن نطاقٍ جغرافيٍّ لا يتجاوز بضعة كيلومتراتٍ جنوب الخطِّ الحدودي اللُّبناني.
وحاول الإعلام الإيراني تقديم هذه الضّربات تحت مسمّى عمليَّةٍ كبيرةٍ أُطلق عليها اسم "مهلكة اللّيل"، في محاولةٍ لإعطاء الانطباع بوجود هجومٍ واسعِ النِّطاق تقوده إيران بشكلٍ مباشر، غيرَ أنَّ المعطيات العمليّاتيّة تشير إلى أنّ المشاركة الإيرانيّة المباشرة في تلك المرحلة كانت محدودةً للغاية، إِذْ لم يتجاوز الدَّور الإيراني إطلاق صاروخٍ واحدٍ قبل بدء الهجوم من الجانب اللُّبناني، ثم ثلاثة صواريخ متفرِّقةٍ خلال ساعات الفجر.
وإذا كان تراجع الصَّواريخ الباليستيّة قد شكّل أحد المؤشِّرات على تغيُّر مسار المواجهة، فإنَّ الوضع ذاته بدأ يظهر أيضاً في استخدام الطَّائرات المسيّرة الانتحاريّة، التي كانت تُعدُّ إحدى الأدوات الرئيسيّة في الاستراتيجيّة الإيرانيّة خلال المواجهات الأخيرة، فقد لوحظ انخفاضٌ واضحٌ في أعداد هذه المسيّرات التي تمَّ إطلاقها، إضافةً إلى ارتفاع نسبة اعتراضها قبل وصولها إلى أهدافها.
ويرتبط هذا التّطوُّر إلى حدٍّ كبيرٍ بتراكم الخبرة لدى منظومات الدِّفاع الجوِّي في دول الخليج، وكذلك لدى الطيّارين ووحدات الرّصد والإنذار المبكِّر، التي باتت أكثرَ قدرةً على اكتشاف هذه الطَّائرات، والتَّعامل معها بسرعةٍ، فالمسيّرات الإيرانيّة رغم فعاليّتها في بعض السّاحات، تعتمد في كثيرٍ من الأحيان على الطَّيران المنخفض، والبطيء نسبيَّاً لتفادي الرّادارات، لكنَّ تطوير وسائل الكشف الحراريِّ والرّاداريِّ المتخصِّصة؛ جعل عمليّة اعتراضها أكثر سهولةً مقارنةً بالمراحل الأولى من استخدامها في المنطقة.
ومع تقلُّص فاعليّة الأدوات العسكريّة المباشرة، يبدو أنّ طهران بدأت بالانتقال تدريجيّاً نحو نوعٍ مختلفٍ من الضَّغط، يتمثّل في استهداف البنية الاقتصاديّة المرتبطة بالطّاقة العالميّة، فقد تمَّ تسجيل استهداف خمس ناقلات نفطٍ مدنيَّةٍ خلال الفترة نفسها، في خطوةٍ تشير إلى محاولةِ نقل المواجهة من المجال العسكريِّ المباشر إلى المجال الاقتصاديِّ الدُّوليِّ.
هذه الاستراتيجيّة تقوم على مبدأ بسيطٍ لكنّه شديد التّأثير، فأسواق الطّاقة العالميّة شديدة الحساسيّة لأيِّ تهديدٍ يطالُ خطوط الإمداد، أو طُرُق الملاحة النّفطيّة، خصوصاً في المناطق القريبة من الممرّات الحيويّة مثل الخليج العربيِّ ومضيق هرمز، ولذلك فإنَّ أيَّ تصعيدٍ في استهداف النّاقلات؛ ينعكس فوراً على أسعار النّفط، وعلى المخاوف المرتبطة بأمن الطّاقة العالمي.
من هذا المنظور، يمكن فهم هذه التّحرُّكات باعتبارها محاولةً إيرانيَّةً لخلق ضغطٍ غير مباشرٍ على القوى الدُّوليّة المنخرطة في الصِّراع، عبر رفع كلفة استمرار الحرب اقتصاديّاً على المجتمع الدُّولي، فبدلاً من تحقيق تأثيرٍ عسكريٍّ مباشرٍ عبر الصَّواريخ والمسيّرات، تسعى طهران إلى إحداث تأثيرٍ اقتصاديٍّ واسعٍ قد يدفع بعض الأطراف الدُّوليّة إلى الضَّغط من أجل وقف التّصعيد.
غير أنَّ هذا التحوُّل في التّكتيك يعكس أيضاً حقيقةً أخرى لا يمكن تجاهلها، وهي أنَّ قدرة إيران على إلحاق الأذى عبر الضَّربات الصَّاروخيّة المباشرة، تبدو أقلَّ ممّا كان يُعتقد في بداية المواجهة، فالضّربات الوقائيّة التي استهدفت البنية العسكريّة، إلى جانب فاعليّة أنظمة الدِّفاع الجوِّي لدى الدُّول المستهدفة، قلَّلت من فرص وصول الصَّواريخ والمسيّرات إلى أهدافها.
في الوقت ذاته تستمرُّ العمليّات العسكريّة في استهداف ما تبقّى من القدرات المرتبطة ببرامج الصّواريخ، والبنية العسكريّة داخل إيران، الأمر الذي يزيد من الضُّغوط على القيادة الإيرانيّة، ويجعل خياراتها العسكريّة أكثرَ محدوديَّةً بمرور الوقت.
وسط هذه المعادلة المعقّدة، يظهر بوضوحٍ التّباين بين الصّورة التي ترسمها الدِّعاية السّياسيّة في بعض الأوساط المؤيِّدة للنِّظام الإيراني، وبين الواقع العمليّاتي على الأرض، فبينما يتركَّز الخطاب الإعلاميُّ على مشاهد الدَّمار التي قد تُحدِثها بعض الصَّواريخ التي تصل إلى أهدافها، تُشير الأرقام والمعطيات الميدانيَّة إلى أنَّ نسبة الوصول الفعليّة باتت منخفضةً للغاية مقارنةً بعدد الإطلاقات.
الحروب في النِّهاية لا تُحسم بالصُّور المتداولة على وسائل التَّواصل الاجتماعيِّ، ولا بالشِّعارات التي تُرفع في الخطابات السِّياسيّة، بل بتوازناتِ القوَّة الفعليّة على الأرض، وبقدرة كلِّ طرفٍ على الاستمرار في القتال دون أن ينهار اقتصاده أو بنيته العسكريّة.
وبعد قراءة كلِّ هذه المعطيات، يبدو أنَّ المواجهة دخلت مرحلةً جديدةً تختلف عن بدايتها، فبعد أن كانت الصَّواريخ والطّائرات المسيّرة هي العنوان الأبرز للتّصعيد، بدأت ملامحُ صراعٍ اقتصاديٍّ أوسع تتشكَّل في الخلفيّة، حيث تتحوَّل ناقلات النِّفط وأسواق الطَّاقة، إلى ساحةِ ضغطٍ موازيةٍ للحرب العسكريَّة! وفي عالمٍ يعتمد اقتصاده بشكلٍ كبيرٍ على استقرارِ إمدادات الطَّاقة، قد يكون تأثير هذه السَّاحة الجديدة، أعمقُ بكثيرٍ من تأثير أيِّ صاروخٍ يسقط على مدينةٍ، لأنَّ اضطراب النِّفط لا يضرب دولةً واحدةً فقط، بل يرسل ارتداداته عبر الاقتصاد العالميِّ بأكمله.