الأشجار واغتيال مرزوق | البحث عن إنسانية مسروقة - أوسكار نيوز

تُعد رواية الأشجار واغتيال مرزوق التي كتبها عبد الرحمن منيف عام 1973 تجسيداً للرمزية في الأدب العربي، فهي تحمل النقد الاجتماعي والسياسي في صورة مؤلمة، لواقعٍ صعب ومرير، من انهيار القيم وموت الأحلام، إلى مصيرٍ محتوم يلاحق أبناء مجتمعٍ لا يكاد يخرجُ من هزيمةٍ ليدخل أُخرى.

الأشجار واغتيال مرزوق | البحث عن إنسانية مسروقة - أوسكار نيوز

أوسكار نيوز/ ثقافة
بقلم/ ميشيل البحري
بقيت روايات عبد الرحمن منيف ضمن ما يسمى في الأدب العربي (المسكوت عنهُ)، ربما لاعتبارات سياسية كونه أحد البعثيين الذين أثاروا جدلاً في خلافه مع العائلة المالكة السعودية، وهروبه إلى سورية زمن الأسد الأب، فتم تنميط وتصنيف أعماله مسبقاً، دون أن يكلّف أحدٌ نفسه بالقراءة قبل النقد رغم أن معظم أعماله لم تكن ذات طابع سياسي فج، بل كانت تصوّراً ورؤيا معينة لواقع عربي في تلك الفترة، كم رآه الكاتب.
الياس نخلة بطل اللاشيء
أول ابطال الرواية الياس نخلة، الإنسان الذي يعيش من بستانه وأشجاره مثال الإنسان الذي لا يملك قضية ولا معنى للحياة، يعيش اليوم بيومه ولا يتعلّق بالأشياء والأشخاص، تراه يؤذي زوجته عندما تؤنبه لعدم احتياطيه من أمور المستقبل، ويطرد التجار الذين يلومون عليه عدم الالتزام بالمواعيد، ورغم أن محصول أشجاره وفير إلا أن الياس نخلة كان دائماً يشكو ضيق الحال بلا سببٍ مفهوم، فتكشف الرواية عن وجهٍ آخر له، وهو لعبُ القمار المستمر، ولم تكن حقيقة لعبه للقمار مجرد حدث عابر في الرواية، بل إنه مثالٌ عما يمكن للإنسان أن يصل إليه من قاعٍ سحيق عندما تتساوى قيمة الأشياء في نظره ويقع في قلبه أن السعادة بلا قيمة مستقبلية، وأن الفرح الحالي هو فقط ما يمكن أن نبحث عنه.
مصير العابثين
يُكمِلِ الياس نخلة طريقه في غرف القمار والسّكر حتى النهاية، ويخسر أرضه وأشجاره التي يقطعها لتسديد ديون الطاولات لدى الدائنين، وتتوالى الخسارات فيخسر زوجته التي طالما اعتبرها تحصيلاً حاصلاً ومن الأمور المضمونة في حياته، تلك الزوجة التي استفاق فجأةً ليعرف حجم ما كانت تقوم به دون أن يُعيرَها أي اهتمام، وهنا يفضح الكاتب جزءاً مهماً من مكونات الإنسان، حين لا ينتبه لمن يحيطونه بالأمان، وبعد أن يفقد أولاده أيضاً وتتوالى الخسارات، يرحل الياس نخلة تائهاً في هذا العالم ليجرّب كل أنواع الأشغال البسيطة علّهُ يكسب قوت يومه بعيداً عن الأشياء التي خسرها، وبعيداً عن ذكرياتٍ أليمة. ليعود بعد رحلة معاناته المؤلمة إلى المكان نفسه خاسراً مُرهقاً لا يملك شيئاً، ليعرف أهمية الأشجار التي كان يكرهها، ولكن بعد فوات الأوان، ربما هذا التفسير هو الأقرب لما كان منيف يريد إيصاله عبر صورة الأشجار والعائلة، فهي رمزٌ لما يجب أن ينتبه له الإنسان مما يمكن اعتباره مضموناً دائماً.
منصور عبد السلام البريء
يروي منصور جليس الياس نخلة في القطار، ذلك الأستاذ الجامعي والناشط السياسي قصتهُ بحرقةٍ ولوعة، فهو الذي جرّبَ أن يكون ذا رأيٍ في بلاد لا تعترف بأن للإنسان رأي، وجرّبَ الحب في مجتمعٍ يحتقر المشاعر، تمَّ نبذُهُ وفصله من الجامعة وتقييد حريته وحبسه لأنه طالب بالحرية السياسية لأبناء شعبه، وكان يرى في مرزوق ذلك الرمز الخلّاق وزعيم المحررين الوطنيين رغم الضغوط، وفي رحلة يرويها منصور عن تجربته مع الحب، يوضح كيف يتحوّل الشعور الجميل في مجتمعاتنا إلى حجر رحى يطحن الأحلام من خلال الواقع السيء المعقّد! وكيف تتحول المشاعر البريئة إلى سلعةٍ تجارية في سوق يشبه سوق الجواري والعبيد، ويرى بأن لا مفرّ من الهزيمة إلا بانتصار مرزوق الزعيم الثوري.
لا تحلم بشيء
فجأةً، يتم اغتيال الزعيم الكبير مرزوق، لتكتمل الهزيمة بنظر منصور عبد السلام ويعتبرها نهاية الحلم الذي كرّس حياته في سبيل نجاحه، لينتحر في النهايةِ يائساً عندما يصل إلى قناعةٍ، بأن الجيد في هذه البلاد مستحيل.
منصور هو رمز المناضل البريء الذي يرى بأن جمال الفكرة وصوابيّتها، هما شرطان وحيدان لنجاحها، أولئك الذين يعيشون في عالم المثل العليا، ويعتقدون بأن الملائكة تحرس الحياة، وبأن الأطفال سيحكمون العالم ببرائتهم، أولىك هم أول من سيعلنون هزيمتهم ويتحولون الى منصور عبد السلام، ومرزوق هو رمز أيضاً بأن الواقع في كل المجتمعات أقوى من الجمال، وبأن القبح ينتصر دائماً، والتخلف والبشاعة تسحق الحضارة والمدنيّة، وبأن الهدم يحتاج يوماً، والإعمار يحتاج عقوداً، منصور هو مأساتنا مع أفكارنا، منصور هو خيباتنا التي لا نريد الاعتراف بها.
حزنٌ عبر العقود
لنخرج قليلاً من قلب الرواية، إلى صفحات واقعنا، كم طحنت بلادنا وواقعنا أعداداً وأجيلاً من الياس نخلة ومنصور ومرزوق، وكم من زوجةٍ عاشت وماتت عند إنسان وضيع متهتّك مثل الياس، وليس الموت فقط هنا موتاً حرفياً بل موت الوجدان والروح، وكم من أولادٍ وأولاد لدى الياس نخلة، والزمن ثابتٌ لا يتغير، فكل الشعوب تَلِدُ أجيالاً جديدة إلا العرب يَلِدون آبائهم وأجدادهم، كما قال عبد الله القصيمي، كم منصور تعرفون؟ وكم مرزوق يمرّ في ذاكرتنا حين نفكّر ونتذكر؟ فيبدو أننا جميعاً ما زلنا نعيش بين ( الأشجار واغتيال مرزوق)!

الكلمات المفتاحية:

عبد الرحمن منيف، الأدب العربي، أزمة المثقف، الحرية السياسية، روايات عربية

التصنيفات:

Culture

جاري التحميل...