أوسكار نيوز/ سوريا
إعداد/ علاء عبد العزيز الطويل
شهدت الساحة السورية خلال الساعات الماضية حالة استنفار عسكري واسعة أثارت تساؤلات كثيرة حول أسبابها، في ظل غياب بيان رسمي من وزارة الدفاع يوضح خلفيات القرار أو أهدافه. وبينما أكدت وسائل إعلام عربية ومحلية وقوع الاستنفار ورفع مستوى الجاهزية في عدد من القطعات العسكرية، بقيت الرواية الرسمية صامتة، الأمر الذي فتح الباب أمام سيل من التحليلات والتسريبات والروايات المحلية المتضاربة.
وتشير القراءة المقارنة لما نشرته وسائل الإعلام، وما جرى تداوله على منصات التواصل الاجتماعي، إلى وجود فجوة واضحة بين المعلومات المؤكدة وبين ما يُنسب إلى مصادر محلية أو عسكرية غير معلنة. فالوقائع التي يمكن الجزم بها حتى الآن تتمثل في صدور أوامر برفع الجاهزية العسكرية في عدد من الوحدات، وتحركات عسكرية رُصدت في أكثر من محافظة، دون إعلان رسمي عن إطلاق عملية عسكرية أو عن وجود تهديد خارجي مباشر.
في المقابل، انتشرت خلال الساعات الماضية روايات محلية تحدثت عن أن أسباب الاستنفار داخلية وليست مرتبطة بلبنان أو العراق أو أي جبهة خارجية. وتزعم هذه الروايات أن خلافاً نشب بين وزارة الدفاع وإحدى التشكيلات العسكرية بقيادة محمد الجاسم المعروف بـ«أبو عمشة»، على خلفية إعادة توزيع قادة ألوية وكتائب ضمن عملية إعادة هيكلة للقوات المسلحة، وأن ذلك دفع القيادة إلى إصدار أوامر بالاستنفار وتحريك قوات باتجاه محافظة حماة، مع تداول معلومات عن تحرك الفرقة ٧٠ من دمشق ووصول عناصر من الشرطة العسكرية من حمص، بالتزامن مع اجتماع عقد في دمشق ضم شخصيات عسكرية بارزة.
كما تداولت بعض الصفحات روايات إضافية تحدثت عن تحركات داخل محيط الفرقة ٦٢، وأن عدداً من العناصر داخلها لم يكونوا على علم بسبب الاستنفار إلا بعد تلقيهم الأوامر العسكرية، فيما تحدثت منشورات أخرى عن ارتباك داخل بعض المقار العسكرية وعدم وضوح طبيعة المهمة المطلوبة.
إلا أن جميع هذه المعلومات بقيت حتى الآن في إطار الروايات غير المؤكدة، إذ لم تصدر أي وثيقة رسمية أو تصريح من وزارة الدفاع أو الجهات المعنية يؤكد حدوث هذه الوقائع أو ينفيها بشكل مباشر. كما لم تتمكن وسائل الإعلام الدولية أو العربية من تقديم أدلة مستقلة تثبت صحة تلك الادعاءات، وهو ما يجعل التعامل معها بحذر أمراً ضرورياً من الناحية المهنية.
وفي المقابل، ذهبت تحليلات أخرى إلى تفسير الاستنفار باعتباره جزءاً من عملية أوسع لإعادة تنظيم المؤسسة العسكرية، ودمج بعض التشكيلات التي كانت تتمتع بهوامش استقلالية ضمن هيكلية وزارة الدفاع، وهي فرضية سبق أن أثيرت خلال الأشهر الماضية مع استمرار الحديث عن إعادة هيكلة القوات المسلحة السورية. غير أن هذه القراءة أيضاً لا تزال في إطار التحليل، وليست معلومة رسمية مؤكدة.
ويلاحظ أن الروايات المحلية والإعلامية تتفق على نقطة أساسية، وهي أن الاستنفار لم يترافق مع إعلان حرب أو معارك على الحدود، كما لم تسجل مواجهات واسعة يمكن اعتبارها سبباً مباشراً لرفع الجاهزية، الأمر الذي يعزز فرضية أن ما جرى قد يكون مرتبطاً بملفات داخلية أكثر من ارتباطه بتطورات إقليمية، من دون أن يرقى ذلك إلى مستوى الحقيقة المثبتة.
ومع استمرار الصمت الرسمي، تبقى عدة أسئلة مفتوحة تنتظر إجابات واضحة: ما السبب الحقيقي وراء قرار الاستنفار؟ وهل كان الهدف بالفعل تنفيذ إجراءات تنظيمية داخل المؤسسة العسكرية أم التعامل مع خلاف مع أحد التشكيلات المسلحة؟ وهل جرت بالفعل اجتماعات حاسمة في دمشق بشأن هذا الملف؟ وهل شهدت حماة تحركات عسكرية استثنائية مرتبطة بهذه التطورات؟ ولماذا لم يصدر حتى الآن توضيح رسمي يضع حداً للتكهنات المتزايدة؟
إلى أن تصدر رواية رسمية مدعومة بالوقائع، سيظل ما حدث محاطاً بكثير من الغموض، وستبقى الروايات المتداولة بحاجة إلى أدلة مستقلة تؤكدها أو تنفيها، وهو ما يجعل التعامل معها من منظور صحفي واستقصائي قائماً على التحقق والمقارنة، لا على التسليم أو التبني.