مدرسة الوعي العضلي: بطل كمال الأجسام السوري وليد قلاب يكسر التعتيم بطموح أولمبيا - أوسكار نيوز

حوار صحفي يبرز مسيرة بطل كمال الأجسام السوري وليد قلاب، ودمجه لعلم الكيمياء الحيوية بالتدريب ليقود مدرسة الوعي العضلي... يستعرض المقال جحيم كواليس الحديد وتحدي فئة الرجال، موجهاً عتباً للتعتيم الإعلامي بطموح عالمي يكسر القيود نحو مسرح مستر أولمبيا.

مدرسة الوعي العضلي: بطل كمال الأجسام السوري وليد قلاب يكسر التعتيم بطموح أولمبيا - أوسكار نيوز

أوسكار نيوز/ رياضة
بين عتب التعتيم الإعلامي وطموح مستر أولمبيا.. بطل كمال الأجسام السوري وليد قلاب يفتح دفاتر التهميش
في الممر الضيق الفاصل بين كواليس المسرح وصخب الجماهير، يقف وليد قلاب؛ جسده المشدود يحمل سنوات من الصبر والجهد الحارق، يلمع تحت الأضواء.
لم يكن الطريق إلى منصات التتويج مفروشاً بالورود، بل كان معبداً بالخيبات، والاغتراب، والوجع الصامت الذي لا يعرفه سوى من عانق الحديد في عتمة الليل.
كواليس الحديد...صياغة الهدف
بدأت حكاية وليد من أزقة سوريا البسيطة قبل نحو عشرين عاماً، في بيئة رياضية واجهت آنذاك تحديات وصعوبات تنظيمية كبيرة في دعم المواهب، وفي عام 2012، اتخذ قراره الصعب لمغادرة البلاد، ومع انشغاله بتأسيس حياته وتأمين استقراره، دفع جسده ضريبة الابتعاد،إذ وجد نفسه فجأة في مواجهة وزنٍ شارف على الـ 115 كيلوغراماً ليكون هذا الرقم بمثابة نقطة التحول والشرارة التي أعادته إلى صالات الحديد بهدف واحد: صناعة بطل عالمي.
انكسر حاجز الخوف، وتعمق وليد في دراسة علم المغذيات والكيمياء الحيوية ليعيد هندسة بنيته الجسدية،لكن المنعطف الحقيقي حدث عند عودته إلى دبي، حيث واجه صدمته الأولى في صالاتها المعاصرة...يصف وليد تلك الدهشة قائلاً:
دخلت الصالة الرياضية لأجد وحوشاً بشرية، كانت المرة الأولى التي أرى فيها أجساداً بهذا الحجم خارج شاشات التلفاز.
وقفت أراقبهم بيقين وقلت لنفسي: سيأتي اليوم الذي أتفوق فيه عليهم جميعاً.. لا يوجد هدف أضعه نصب عيني إلا وأصل إليه مهما بلغت الصعوبة.
تحول التحدي إلى شغف مطلق،وخلال 35 يوماً فقط من التحضير المكثف، صعد المسرح لأول مرة... ورغم ما وصفه بـ إجحاف التحكيم، انتزع كأس العالم، مكرساً يقينه بأنه صُنع ليكون في المقدمة.
تشريح المعاناة.. جحيم الجفاف وضريبة الفاتورة الباهظة
خلف بريق الدروع الذهبية، يكمن الجانب المظلم لرياضة كمال الأجسام، حيث يختصر وليد معاناته في التحضير بأنها مواجهة مباشرة مع الموت...
ويكشف الستار عن حجم الألم الصامت:
يرى اللاعب الموت بعينه أثناء التحضير،حيث يركض في تمارين الكارديو بجسد مستنزف تماماً وخالٍ من الطاقة بسبب شح الغذاء، ناهيك عن الأمراض الناتجة عن محسنات الأداء، ومشاكل الجهاز الهضمي.. هنا يكمن الوجع الحقيقي.
يتعاظم هذا الجحيم الفيزيولوجي في أيام التي تسبق العرض، حيث يتم سحب السوائل من الجسد لأقصى درجة لإبراز التفاصيل الدقيقة للعضلات.
وعن كواليس هذه المرحلة الحرجة يقول:
في بطولة العالم الأخيرة، قطعت المياه تماماً لثلاثة أيام، واقتصر استهلاكي على 100 ميلي ليتر فقط مع كل وجبة من وجباتي الست الجافة، وبدون ذرة ملح.
في تلك اللحظات تبدأ الكلى بالاحتجاج، وينهكنا التعب، لكن الصبر كان سلاحي الوحيد لبلوغ المنصة.
هذه الضريبة البدنية القاسية لا تقف عند حدود الصالات الرياضية، بل تمتد لتلقي بظلالها على حياة وليد الاجتماعية، إذ يتحول هذا الشغف إلى مسؤولية وضغط نفسي هائل يتطلب تفهماً استثنائياً من دائرته المقربة، مؤكداً أن الاستمرار في هذا الطريق يتطلب بيئة داعمة تفهم أن وراء كل عضل مصقول معركة نفسية لا تهدأ.
فخ الأرقام وتحدي الـ 9 دقائق على مسارح العالمية
يخوض وليد معاركه في فئة الرجال ، وهي الفئة الأشرس والأعقد عالمياً،ففي بطولته الأخيرة، واجه 70 لاعباً من النخبة ونال المركز الرابع، بينما حظي لاعبون في فئات أخرى (لم يتجاوز منافسوهم 7 لاعبين) بضجة إعلامية وتكريم أكبر، وهو ما يراه تعتيماً إعلامياً مجحفاً بحق الفئة الأقوى في اللعبة.
أما على خشبة المسرح، فلم تكن المواجهة مع الخصوم فحسب، بل مع جسد انتفض بالتشنجات العضلية قبل العرض بلحظات، ويستذكر تلك اللحظات الرهيبة قائلاً:
على المسرح شعرت وكأن قلبي سيتوقف من فرط الإجهاد والتشنج، وكانت أطرافي تشد بقوة، في وقت يفرض عليك العرض إبراز عضلات البطن وإلا استُبعدت فوراً... ضغطت على أسناني وقررت أنه لو كُتب لي الموت على المسرح فلن أرتخي، فهذه الدقائق التسع هي التي ستفرض كل ما دفعته من عرق وتعب.
سوسة القمة.. عتب التقدير وخيبة خيانة الجسد
عند عودته إلى دمشق، قوبل إنجاز وليد بتكريم وزاري رسمي، ورغم امتنانه الصادق لهذه اللفتة وسعادته بالدرع التذكاري، إلا أنه لم يخفِ عتب الأبطال، إذ يرى أن هذا الاحتفاء لاءم الجانب البروتوكولي لكنه لم يلامس القيمة الفعلية لحجم التعب والجهد المستثمر...ويؤكد وليد أن المسألة ليست بحثاً عن مناصب أو مكاسب مادية، بل هي حاجة لتقدير استثنائي يليق بمن يحمل اسم البلاد إلى المحافل الدولية، بعيداً عن قوالب التكريم التقليدية.
برغم المرض، واضطرابات النوم، والتوتر النفسي قبل البطولات،يعود وليد دائماً إلى صالات الحديد مدفوعاً بما يسميها سوسة اللعبة وشغف الإنجاز، مشترطاً ألّا ترفع التحاليل الطبية الدورية بطاقة حمراء، فـالصحة إذا ذهبت لن تعود .
وفي مسيرته، واجه وليد عقبة جسدية طارئة وخارجة عن السيطرة في بطولتين متتاليتين، حرمته من تقديم كامل جاهزيته على المسرح، ليخرج خارج تصنيف المراكز العشرة الأولى بعد أن كان قاب قوسين أو أدنى من الصدارة... تلك الخيبة العابرة دفعته للتفكير في الاعتزال، لكنه سرعان ما عاد وخاض معركة إعادة هندسة النواقص، فانكفأ لعام كامل من التحضير العلمي والتركيز الشامل، حتى سد الثغرات وعاد ليتصدر المراكز الأولى ويمسح غبار الإحباط بيقين الأبطال.
​مدرسة اوعي العضلي... وليد قلاب من منصات اللعب إلى مرجع علمي
لم تكن الألقاب العالمية التي حصدها وليد مجرد نتاج جهد بدني أعمى، بل كانت ثمرة ثورة وعيقادها البطل السوري في صياغة مفهوم مغاير لرياضة بناء الأجسام... ففي وسطٍ رياضي يعتمد غالباً على التلقين والأساليب التقليدية، برز وليد كأحد الأسماء القليلة التي دمجت الممارسة الميدانية بالدراسة الأكاديمية العميقة لعلم الكيمياء الحيوية والمغذيات، متجاوزاً بذلك فكرة اللاعب ليصبح بمثابة مدرسة قائمة بذاتها في هندسة الجسد وتفكيك شفراته الفيزيولوجية، وهو الإنجاز الحقيقي الذي جعله محط أنظار خبراء اللعبة وصناع الأبطال.
نحو مستر أولمبيا.. دستور الاحتراف والنداء الأخير
يرفض وليد اليوم وضع سقف لطموحه، ويصوب بوصلته نحو الحلم الأسمى لكل رياضي: مسرح مستر أولمبيا.. ويمر التحضير حالياً عبر بوابة بطولة دبي برو المؤهلة مباشرة للمحترفين.
وفي ختام حديثه، يوجه وليد نصيحة جافة كحديد الصالات للشباب الذين يغريهم بريق اللعبة دون امتلاك الملاءة المادية: أنصحهم بألا يدخلوا هذا النفق أبداً، واصفاً اللعبة بأنها محرقة للمال والصحة والأعصاب، أما لمن يملك القدرة ويختار طريق الاحتراف، فيضع له الدستور الحقيقي قائلاً:
من يريد سلوك هذا الدرب، عليه أن يدرك أنه سيعيش بلا حياة اجتماعية، بلا نزهات أو مجاملات، وسيكرس حياته بالكامل للعبة، الطريق محفوف بالخيبات،لذا ضع هدفاً واضحاً، وخطة طويلة الأمد، وامضِ متوكلاً ، ولا تسمح لأحد بإحباطك.
يُغلق الحوار، ويبقى صدى كلماته معلقاً كشهادة بطل لم يصنع عضلاته للمباهاة، بل نحتها بالألم والدموع ليثبت أن الإرادة السورية قادرة دائماً على تطويع الحديد وقهر المستحيل.
في النهاية، تظل حكاية وليد قلاب أكثر من مجرد قصة رياضي يطارد حكماً دولياً أو منصة تتويج،إنها مرآة لإرادة جيل كامل يعيد صياغة شروطه الخاصة في قلب الصعاب... يغلق البطل دفاتر عتبه، لكنه يفتح ذراعيه ليقين جديد، تاركاً خلفه رسالة صامتة ومؤثرة:
أن الأجساد قد تُنهكها العقبات، لكن الشغف المصقول بالوعي والمعرفة لا يعرف الانكسار، وأن اسم سوريا سيبقى حاضراً على مسارح العالمية، طالما أن هناك أبطالاً يطوعون الحديد، وينحتون بألمهم ملامح الأمل.

الكلمات المفتاحية:

بطولات عالمية، مستر أولمبيا، وليد قلاب، كمال أجسام، سوريا

التصنيفات:

Sports

جاري التحميل...