أوسكار نيوز/ رأي
إعداد/ خالد العمر
كيف يمكن فهم اليسار الليبرالي السوري؟
يمتلك اليسار الليبرالي شرعية علمية وهيمنة فكرية لم يصل إليها أي مذهب فكري آخر في التاريخ الحديث، خصوصًا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وبروز الهيمنة الغربية الكاملة. لكن مع اليسار الليبرالي السوري لا يبدو أن الأمر بهذه البساطة.
أين تكمن معضلة اليسار السوري؟
اليسار السوري دائمًا في موقع الاتهام.
فالخارج لا يثق باليسار الليبرالي العربي بسبب تاريخ اليسار العربي الشيوعي والاشتراكي، والداخل يتهمه بالتبعية للغرب، ومؤخرًا بأنه واجهة علمانية لتحالف الأقليات الدينية.
لذلك يجد نفسه ملزمًا بإثبات ليبراليته أمام الخارج، فيلجأ غالبًا إلى اتخاذ مواقف متطرفة لإظهار التزامه بالليبرالية. كما يسعى إلى التوافق مع رؤية اليسار العالمي تجنبًا لأي صدام معه، خاصة أن اليسار العالمي ينظر بحذر إلى اليسار العربي.
يمكنك قراءة مقال: كيف يمكن لليسار العربي الإنتقال من الأوهام إلى الواقع من هنا
لماذا يبدو اليسار طوباويًا؟
تكمن مشكلة اليسار الليبرالي في أمرين أساسيين:
- غياب الامتداد المجتمعي الحقيقي
- غياب الذراع العسكرية التي امتلكتها معظم الجماعات اليمينية واليسارية عبر التاريخ، رغم اختلاف توجهاتها.
وبما أن اليسار لا يمتلك قوة على الأرض، فهو غير ملزم بتبرير أو الدفاع عن أي فعل عملي، مما يجعله أكثر ميلًا إلى الطوباوية.
وكغيره من الجماعات السياسية، يحاول اليسار إقناعك بأن ما ينقصه غير مهم. كما يعمل على تسخيف دوافع الأيديولوجيات الأخرى، فيُرجعها أحيانًا لأسباب غير واعية، وأحيانًا لأسباب دينية أو سببية، وكأنها بلا دوافع عقلانية.
من مصلحته التقليل من شأن أي فعل تقوم به الأطراف الأخرى. لذلك لا يعير اليسار أي أهتمام لاي فعل عملي ويحاول التركيز على الجانب النظري.
اليسار بين الداخل والخارج
اليسار السوري يجد نفسه مجبرا على إثبات ليبراليته للغرب وللداخل في الوقت نفسه:
- الغرب لا يثق بليبرالية اليسار العربي
- الداخل يتهمه بالتبعية أو بالتحالف مع الأقليات
لذلك يتخذ اليسار مواقف أكثر تطرفًا لإثبات يساريته أمام الطرفين.
لا يمتلك اليسار العربي مساحة كافية للتفكير الحر، لأنه منشغل بمحاولة إثبات ذاته، فيتبنى الأفكار اليسارية بحذافيرها دون نقد. حتى اليسار الغربي نفسه يتخذ أحيانًا مواقف مناقضة لمبادئه خدمةً لمصالح دوله، كما ظهر في الحرب الأوكرانية حين دعا إلى طرد روسيا من المسابقات العلمية والرياضية، بل وحتى محاربة كتب الفلاسفة والأدباء الروس المتوفين منذ أكثر من 200 عام، وهو ما يتعارض مع الفكر اليساري.
اليسار العربي يتبنى مواقف طوباوية؛ فهو لا يؤمن بالضرورات ولا يقبل المساومة: إما تطبيق كامل وسريع للأفكار اليسارية، أو لا شيء.
الاصطدام مع الواقع
الارتباط الكبير بالغرب يضع اليسار في صدام مع الشعب.
فالرؤية الغربية لما حدث في سورية تصنّفه كـ"حرب أهلية"، بينما لا يقبل السوريون هذا الوصف. وهذا يضع اليسار السوري أمام معضلة:
هل يُعامل قادة الفصائل الإسلامية مثل عبد القادر الصالح وزهران علوش وأحمد الشرع كـ"ثوار" أم كـ"جماعات إسلامية متطرفة"؟
هنا يجد اليسار نفسه بين إرضاء الغرب أو إرضاء الشعب.
لإثبات وطنيته وعدم تبعيته للخارج، يتخذ اليسار أحيانًا مواقف وطنية متشددة تصل حد العنصرية أو الشوفينية.
ولإثبات نفسه أمام الخارج، يتخذ مواقف طوباوية متوافقة مع الرؤية الغربية لتجنب أي صدام معها.
اليسار والسلطة
لا يسعى اليسار عادةً إلى المناصب التنفيذية لأنه يدرك أنه لا يمتلك الخبرة ولا القوة الكافية لذلك.
لكنه يحاول الحصول على الوزارات غير السيادية مثل:
الإعلام، الخارجية، الثقافة، التعليم
لأنها تتيح له إظهار سورية كدولة ليبرالية. وهذا يفسر هجومه الكبير على أداء هذه الوزارات.
لكن هنا تظهر معضلته: فهو لا يمتلك القوة الكافية للهيمنة، وعليه الاختيار بين:
- التركيز على الوزارات غير السيادية لإظهار الدولة كأنها ليبرالية
- أو السعي للسيطرة على الوزارات السيادية لإحداث تغيير حقيقي على الأرض
معارك وهمية وأوهام تاريخية
اليسار مجبر على خلق معارك وهمية لإثبات يساريته.
كما يحاول اليسار الليبرالي السوري إثبات أحقيته السياسية من خلال التحالف مع البرجوازية السياسية، لإنه يدرك إنه يفتقد للشرعية التاريخية. فيسعى إلى تلميع صورة البرجوازية السياسية التي حكمت سورية بين 1930 و1963، باعتبار نفسه امتدادًا لها، رغم أن اليسار نفسه هو ألد أعداء تلك الحقبة.
لا يستطيع اليسار الليبرالي نسب نفسه إلى اليسار الشيوعي بسبب مشاكله مع الغرب والدول العربية، ولا إلى اليسار القومي بسبب الجرائم التي ارتكبها بحق شعوبه. فلم يبقَ له إلا البرجوازية السياسية ليبني عليها شرعية تاريخية.
يحاول اليسار إثبات نفسه، لكنه بدلًا من إثباته على أرض الواقع، يصنع أوهامًا:
وهم تاريخي، وهم الكمال، وهم الأحقية.
اليسار بين ضغط الجماهير وضغط الخارج
الكثير من الناس يطالبون اليسار الليبرالي بمواقف حادة تجاه القضايا، لكنهم لا يدركون أنه لا يمتلك هذه الأفضلية، فهو محاصر بنظرة الغرب وبنظرة الداخل.
فإذا اتخذ موقفًا خاطئًا بالنسبة للخارج سيتوقف الدعم، وإذا اتخذ موقفًا يُفسَّر كعداء للدولة الوطنية سيواجه مشاكل كبيرة.
أعظم أنواع الجهل
لكل مجتمع صورة نمطية عن نفسه وعن الآخرين، والآخرون كذلك. يدرك المجتمع جزءًا من جهله وجزءًا من معرفته، وكذلك الآخرون.
تكمن المشكلة في أن أغلب اليساريين أبناء مجتمعات محلية انتقلوا للعيش في مجتمعات أخرى مختلفة. فيجمع اليسار بين الجزء الذي يجهله المجتمع المحلي عن نفسه، والجزء الذي يجهله المجتمع الغربي عن المجتمع المحلي.
وبدلًا من جمع المعرفتين، يجمع الجهلين. وهذا هو أعظم الجهل.