أوسكار نيوز/ رأي
بقلم/ مصطفى يونسو
هنا كانت البداية، ومن هنا انطلقت الحكاية
من ثغرٍ صغير لم تتوقف عنده البيانات السياسية، ولم تُفرد له الشاشات ساعات البث والتحليل، وقفت بداما شامخةً في وجه منظومة القمع، وأشعلت واحدة من أوائل شرارات الثورة السورية.
في الريف الغربي لمنطقة جسر الشغور، وتحديداً في ناحية بداما وريفها، وبينما كانت الثورة لا تزال تتشكل في صدور السوريين خلال ربيع عام 2011، كانت قرى المنطقة قد حسمت خيارها، ففي الوقت الذي كانت فيه الأنظار تتجه نحو دمشق وحلب وحمص، خرجت بعض قرى بداما ومحيطها عملياً عن سيطرة النظام الأسدي،وأسقطت سلطته الأمنية والعسكرية فيها،وكانت المنطقة من أوائل البقع السورية التي تحررت فعلياً من قبضة الأسد، لتتحول إلى شوكة مبكرة في حلق منظومة القمع.
لم تكن هناك يومها تنظيمات ولا ألوية ولا مصادر تمويل ولا تغطية إعلامية واسعة،كان هناك رجال آمنوا بأن الحرية لا تُمنح، بل تُنتزع.
وفي تلك الأرض، انكسرت منظومة الأمن لأول مرة بصورة كاملة، وسقطت الحواجز والمخافر، وارتفعت راية الثورة فوق تلال كانت حتى الأمس القريب ساحاتٍ للقمع والإذلال.
ومن بين هتافات المتظاهرين، برز صوت المقدم حسين الهرموش، ليعلن انشقاقه عن النظام وانضمامه إلى صفوف الثورة، واختار ناحية بداما منطلقاً لتأسيس لواء الضباط الأحرار، أول تشكيل عسكري منشق عن النظام، وأول محاولة لتنظيم العمل الثوري داخل البلاد.
كان القرار يومها شديد الخطورة، لكنه فتح الباب أمام موجة الانشقاقات الكبرى التي شهدتها المؤسسة العسكرية لاحقاً.
وجاء رد النظام على عادته عنيفاً ومحمّلاً بكل أدوات البطش،اجتاح المنطقة بألوية الاقتحام، مدعوماً بالقصف والغطاء الجوي، وتمكن من استعادة السيطرة عليها مؤقتاً، فارضاً حكمه بالقوة والحديد والنار،وظن بعض ضعاف النفوس أن الحكاية انتهت وأن الصفحة طويت، لكن ما جرى لم يكن سوى الفصل الأول من قصة أطول بكثير،فمن هناك بدأت مرحلة جديدة، تشكلت فيها إرادة الصمود، وتكرس فيها خيار الرباط والمقاومة والاستعداد لما هو آت.
لسنوات طويلة، لم تنقطع بداما ومحيطها عن المواجهة ففي الوقت الذي فرض فيه النظام سيطرته القمعية على مساحات واسعة من سوريا، بقيت المنطقة ساحة مقاومة مستمرة، معارك وكمائن وانسحابات وعودة وثبات وزحف متواصل.
ثم جاء اليوم الذي استعادت فيه الأرض أبناءها، وعادت المنطقة إلى أهلها، وعاد الأذان حراً من مآذنها، وعادت البنادق إلى أيدي ثوارها لا إلى أيدي جلاديها.
وبعد أشهر طويلة من المرابطة والتضحيات، وبفضل أبناء الأرض الذين يعرفون تضاريسها كما يعرفون تفاصيل حياتهم، استعادت المنطقة أنفاسها من جديد، وحررت نفسها بسواعد رجالها.
ومن تلك القرى التي بدت منسية على خرائط السياسة والإعلام، بدأ التمدد نحو جسر الشغور، ثم إلى جبل الزاوية، حتى وصلت طلائع الثورة إلى إدلب المدينة، وتحولت المنطقة إلى إحدى قواعد الانطلاق الرئيسية في مسار التحرير،ثم كانت إدلب المدينة، واقترب الحلم أكثر من أي وقت مضى،حلم سوريا بلا نظام الأسد.
ورغم كل ذلك، بقيت هذه الأرض بعيدة عن الأضواء... لم تحظ بما تستحقه من حضور في المؤتمرات، ولم يُنصف تاريخها كما ينبغي، ولم تُروَ بطولات رجالها بالقدر الذي يليق بتضحياتهم،وربما لأن كثيراً من أبنائها اختاروا البقاء بعيداً عن الكاميرات، متمسكين بقناعاتهم، رافضين المتاجرة بالثورة أو المساومة على الحرية.
تماماً كما يحدث دائماً مع أولئك الذين يسقطون في البدايات، يُنسَون أحياناً رغم أنهم من مهدوا الطريق لكل ما جاء بعدهم.
لم تكن بداما مجرد قرية، بل كانت بوابة عبور، وشرارة انطلاق، ورئة تنفست بها الثورة حين ضاقت عليها المساحات في أماكن أخرى.
وهذا ليس مجرد استدعاء للتاريخ، بل محاولة لإعادة شيء من الحق لأصحابه، لهذه الأرض، ولهؤلاء الرجال، ولهؤلاء الشهداء والصامدين الذين دفعوا أثماناً باهظة في سبيل الحرية.
فلولا إرادة الله تعالى، ثم تضحيات أبناء بداما وريفها، لما كان مسار الأحداث كما عرفناه لاحقاً، وقد يجهل كثيرون هذه الحقيقة، لكنها تبقى حاضرة في ذاكرة من عاشوا تلك الأيام وشهدوا تفاصيلها.
تحدثوا عن بداما، وعن رجالها، وذكّروا الناس بأن الثورات لا تولد في المؤتمرات والقاعات المغلقة، بل تولد في الميدان، على أكتاف رجال قرروا أن يواجهوا الخوف قبل أن يواجهوا الطغيان.
واليوم نكتب لنقول:
هنا بدأت الحكاية… وهنا ما زالت الأرض تنبض برجالٍ ما بدلوا تبديلاً.