كيف يتم تحديد زمن الوفاة من قبل الأطباء الشرعيين؟ - أوسكار نيوز

يُعتبر تحديد زمن الوفاة اهم مدخل في علم الأدلة الجنائية، ويخضع لعوامل معقدة اي خطأ فيها يؤدي إلى تغيير في مسار قضايا كثيرة، وعوامل محيطة لا يمكن التحكم بها مثل درجة الحرارة والحشرات والماء والحالة الصحية للمتوفي، لذلك تولي أجهزة الشرطة والطب الشرعية أهمية خاصة لهذا المجال.

كيف يتم تحديد زمن الوفاة من قبل الأطباء الشرعيين؟ - أوسكار نيوز

أوسكار نيوز/ مجتمع
بقلم/ ميشيل البحري
بعد العثور على جثة الفنانة ويتني هيوستن عام 2012، كانت قد توفيت حديثاً وافترص المحققون أن عملهم سيكون سهلاً، لكن وجودها في بركة ماء تغمر الجثة صعّب عملهم، لِما للماء من تأثيرات كبيرة تؤدي إلى التلاعب بما يمكن أن يسمى أدلة حنائية.
يُعدّ تحديد توقيت الوفاة علماً دقيقاً، ويتطلب من الطبيب الشرعي استخدام تقنيات وملاحظات متعددة للوصول إلى تقديره، وكقاعدة عامة كلما جرى فحص الجثة في وقت أقرب بعد الوفاة، كان هذا التقدير أكثر دقة.
أوقات مختلفة
هناك أوقات مختلفة للوفاة، ويبدو مصطلح "وقت الوفاة" بسيطاً ومباشراً، ويعني بوضوح اللحظة التي لفظ فيها الضحية أنفاسه الأخيرة. لكن الأمر ليس بهذه السهولة، ففي الواقع هناك ثلاثة أوقات مختلفة للوفاة، وهو الوقت الفيزيولوجي للوفاة، أي عندما تتوقف الوظائف الحيوية للضحية فعلياً، أي الوقت المسجل في شهادة الوفاة، والوقت المُقدّر للوفاة، وهو الوقت الذي يُقدره الطبيب الشرعي لحدوث الوفاة.
لذا فإنّ التحديد الدقيق لوقت الوفاة هو الحالة النادرة التي يتوفى فيها شخص بحضور طبيب أو أخصائي طبي مؤهل. ولكن غالب الوفيات لا يشهدها أحد.
قصة الجسد
يحكي الجسد دائماً قصة، بخاصة عند توقف القلب عن النبض، فهناك عملية يمكن التنبؤ بها عموماً، وتتضمن توقف وظائف الجسم وانخفاض درجة حرارته وتحلّله، ويمكن الاستدلال بها على وقت الوفاة التقريبي، سواء أكان ذلك قبل ساعات أو أيام أو أعوام، وفي بعض الحالات قد يتطلب الأمر فحصاً أولياً للجثة في موقع الحادثة، وفي حالات أخرى، يجب نقلها إلى المختبر لإجراء تحليل جنائي أكثر تفصيلاً.
ووفقاً للورانس كوبيلينسكي، عالم الطب الشرعي والأستاذ في كلية جون جاي للعدالة الجنائية، يمكن تحديد وقت الوفاة على جثة حديثة بصورة أفضل من خلال قياس درجة حرارة الجسم . ولكي تعمل هذه المعادلة بأفضل صورة، تُقاس درجة حرارة الجسم المُكتشف حديثاً عن طريق المستقيم. فخلال الساعات الأولى بعد توقف القلب عن النبض، تنخفض درجة حرارة الجسم الداخلية تدريجياً نحو درجة حرارة الجو المحيط، وتفترض المعادلة أن الجسم يفقد 1.5 درجة فهرنهايت في الساعة، لذا تُطرح درجة حرارة المستقيم من درجة حرارة الجسم الطبيعية البالغة 98 درجة، ويُقسم الفرق بين القيمتين على 1.5، ويُستخدم الناتج لتقدير الوقت منذ لحظة الوفاة.
برودة الجثة
لكن هذه المعادلة البسيطة لا تنجح إلا بافتراض ثبات عوامل عدة، كأن تكون درجة الحرارة المحيطة لم تتغير منذ الوفاة، أو أن يكون الضحية قد عُثر عليه مرتدياً ملابسه، وليس في حوض استحمام ممتلئ بالماء مثلاً. لكن بحسب ناثان لينتس، عالم الأحياء الشرعي في جامعة جون جاي، فإن الأمور نادراً ما تكون بهذه البساطة.
ففي بيئة يمكن التحكم في مناخها، يستغرق الجسم ست أو سبع ساعات للوصول إلى درجة حرارة المحيط، وتُسهم الأدلة البيولوجية الإضافية، إضافة إلى قياس درجة حرارة الجسم الداخلية، في تكوين صورة أوضح، وكمثال فقد شكّل استخدام برودة الجثة دليلاً حاسماً في تحديد وقت الوفاة في قضية نافا بيكر، الطفلة البالغة من العمر ثلاث سنوات، التي توفيت نتيجة سوء المعاملة. إذ عند وصول المسعفين إلى مكان الوفاة، وجدوا جلد نافا بارداً عند اللمس، مما يشير إلى أنها كانت متوفاة منذ ساعات عدة، وادعى صديق الأم أنه كان يُجري الإنعاش القلبي الرئوي للطفلة قبل وصول المسعفين مباشرة، إلا أن انخفاض درجة حرارة جسم الفتاة ساعد في إثبات كذب أقواله، وفي نهاية المطاف، أُلقي القبض على كل من صديقها ووالدتها بتهمة القتل.
طرق أخرى
بعد نحو ثلاث إلى ست ساعات من الوفاة، يبدأ التيبّس بالتأثير على الجثة، فتتصلب العضلات في مكانها، بدءاً بالعضلات الصغيرة في الرأس والجفون، ثم تنتقل إلى أطراف الأصابع والرقبة، ثم العضلات الأكبر، ويستمر التيبّس من 18 إلى 36 ساعة قبل أن يزول.
كذلك يمكن أن يوفر التزرّق أو تجمع الدم في الأجزاء السفلية من الجسم بعد الوفاة، معلومات مفيدة، إذ يشير مظهر التزرق وثباته إلى ما إذا كانت الجثة قد نُقلت بعد الوفاة، ومن ضمن التفاصيل أيضاً، يُعدّ السائل الزجاجي الموجود داخل مقلة العين مصدراً قيماً آخر لتحديد وقت الوفاة، لأن المصل الزجاجي هو آخر عضو يتأثر بالتغيرات التي تحدث بعد الوفاة، بسبب ضعف ترويته الدموية
وتوجد طرق أخرى تساعد المحقق على تحديد وقت الوفاة، فإذا كان شخص ما يعاني من عدوى وقت وفاته، على سبيل المثال، وتعني هذه الحالة أن الجسم يجب أن تنخفض درجة حرارته أكثر قبل أن تصل إلى درجة حرارة البيئة المحيطة، مما يطيل فترة برودة الجثة.
كائنات حية
يقول العالم ناثان لينتس، "من 10 إلى 50 ساعة بعد الوفاة، يكون الأمر مجرد تخمين"، ولهذا السبب يُعدّ علماء الحشرات الجنائية، الذين يدرسون الحشرات المصاحبة للتحلل في غاية الأهمية. فبعد الساعات الأولى، تبدأ الجثث بالتحلل بمعدلات متفاوتة، تبعاً لعوامل مختلفة عدة، منها الحالة الصحية السابقة للضحية. ويدرس علماء الحشرات الجنائية أنواع الحشرات التي تغذت على الجثث، فيساعدهم ذلك في استنتاج وقت الوفاة.
ثم يأتي الانتفاخ، وبمجرد أن يصل الجسم إلى مرحلة الانتفاخ، تتغير الكائنات الحية التي تتغذى على الجسم مرة أخرى، وعن هذا يقول لينتس "يستغرق ذلك من أربعة إلى خمسة أيام في فترة الصيف الدافئة"، ويضيف "حينها، يصبح هامش الخطأ ضئيلاً للغاية، بل قد يصل إلى يومين". إذ ينتفخ الجسم نتيجة لنشاط البكتيريا في الأعضاء، مما يؤدي إلى تراكم الغازات. لذا يبحث لينتس في كيفية مساعدة قياس بكتيريا الجلد للمحققين في تحديد فترات زمنية محددة بعد أسابيع من الوفاة، ويقول "استَخدمتُ البكتيريا لتحديد فترة زمنية تتراوح بين يومين وستة أسابيع تقريباً، وعند هذه المرحلة، تكون الجثة قد تحللت بصورة كبيرة". وحتى الآن، لم تصل دراسة البكتيريا المرتبطة بالانتفاخ إلى مرحلة متقدمة بما يكفي لاستخدامها في التحقيقات، لكن لينتس متفائل بأن هذا سيتغير قريباً.

الكلمات المفتاحية:

الطب الشرعي، زمن الوفاة، تحلل الجثث، ويتني هيوستن، علم الأحياء

التصنيفات:

Society

جاري التحميل...