تموز 1860 | تاريخٌ من المذابح الطائفية يكرّر نفسه - أوسكار نيوز

بقيت مجازر 1860 في دمشق ولبنان، جزءاً من المسكوت عنه، بين المسيحيين والدروز والمسلمين بعربهم وكردهم، مادةً للتاريخ، ولكنها لم تكن مادةً للدروس، بل ظلّت مجرّد قصص تُروى لملئ الصفحات بدون طائل، وفي كل تموز نعيدُ ما جرى في 1860 مرةً أُخرى.

تموز 1860 | تاريخٌ من المذابح الطائفية يكرّر نفسه  - أوسكار نيوز

أوسكار نيوز/ رأي
بقلم/ ميشيل البحري
لم يعُد الدخول في حكايات التوثيق ومروّيات الرّواة حول مذابح 1860 التي لحقت بمسيحيي دمشق وجبل لبنان، ذات طائل، فالأزمة تعرّضت للكثير من التحليل والتشريح والنقد وتوثيق يوميات المذبحة، بما يكفي لأي قارئ أن يُشبع فضوله حتى الثمالة.
بل إن الحديث اليوم عن مأساة أعمق من حدث تاريخي، وأبعد من نتائج ما حصل، هو الحديث الذي لم يتحدث عنه المؤرّخون ولم يحكي رواياته القصّاصون ومحللو الاقتصاد، ونسيهُ منافقو السلم الأهلي المزيف.
التعميم بداية العنف
الحكاية بين سطورها لم تنتبه إلى معضلة عقلية يعاني منها الشرق، وهي وصم الجماعات بأفعال الأفراد، فالخاطئ يمثل عائلته ودينهُ ومنطقتهُ، والصالح التقيّ الوَرع لا يُمثّل إلا نفسه! حول هذه المفارقة السلبية يدور تاريخ علم الاجتماع في منطقتنا، في دمشق قُتِلَ المسيحيون لأن تاجراً جشعاً قرر التلاعب في أسواق المدينة وأثقل كاهل الناس بديونه، ولكن لم يَنجُ أحدٌ منهم بسبب كاهن طبيب دمث الأخلاق كان يعالج مسلمي المدينة مجاناً، وفي دمشق أيضاً حاصر الدروز حي باب توما، لأن مسيحياً قتل البيك الدرزي في جبل لبنان، الذي أرهق الناس بضرائبه.
في دمشق أعمل الأكراد قتلاً وذبحاً ونهباً بمسيحيي دوما، لكي يرضى عنهم الوالي والسلطان، وفي جبل لبنان ذبح المسيحيون 60 طفل درزي بالسكاكين داخل دار الطائفة، لأن درزياً قذراً اغتصب فتاة مسيحية كانت تقطف ثمار حقلها وحدها.
وقد يتبادر إلى ذهننا سؤال، هل هذا الدرزي القذر أو التاجر المسيحي الجشع قد كانوا سبباً في قتل جماعتهم؟ أم أن عقلية التعميم واستسهاله والتكاسل عن التفكير هو من أدى إلى ذبح الجماعات؟ ربما نستطيع الإجابة عن هذا السؤال براحة بال، إذا استطعنا أن نُعطي حكماً أخلاقياً مُريحاً على موقف عمرو بن العاص عندما قال بأن عمار بن ياسر قَتَلهُ من أخرجه!
الإبادة كوسيلة لحل المشاكل
ثم بعد التعميم، وبعد أن أصبحنا في عمق الأزمة، ما زلنا نحلّ مشاكلنا بطريقة واحدة، الإلغاء الجسدي والتصفية النهائية، دون أخذ اعتبارٍ لأيّ نتائج وتَبِعات.
إن هذه العقلية البدوية لم تكن سوى ملامح في مخيّلة العرب، منذ أن وَجد الزير سالم بأن ثأر أخيه كُليب ملك العرب، هو الإفناء الكامل للبكريين، وقد كان له ذلك، وكتب التاريخ كلها بدون استثناء تذكر بأن بني تغلب لاحَقوا البكريين إلى العراق وقتلوهم جميعاً بلا استثناء في حرب الأربعين عاماً المشهورة، ولكن هذه الملامح تحوّلت إلى منهج مؤصَّل ومؤسسات ونظريات متكاملة على يد العثمانيين، وأتَت وتمّ زرعها في قلب مجتمعات ليس الثأر أصلاً وارداً في قاموسها الثقافي، فأصبحت سياسة اللون الواحد هي الحل لأي مشكلة، بدل التفكير في سياسات نزع الأسباب ومعالجة المشكلات، باتت سياسة الإفناء حلّاً بديلاً، فلا داعي للتفكير واختراع السياسات، اضرب جذر المشكلة واقطعه، دون النظر بآثاره، وهذه المنهجية الطفولية التي لا يخترعها سوى مجموعة من السذّح التافهين، من لا تسمح لهم قدراتهم بقيادة دولة، ومن لايعرفون قيمة التنوع، وكيف يصنعون من الاختلاف قيمةً، وكيف يكون التجاذب ذو معنى في المجتمعات دون الذهاب إلى حلول الدم، أولئك الذين لا يعرفون معنى الحضارة والتنوع انتهت دولتهم وفنيت.
الخاتمة
إن نتائج الحرب كانت كارثية على الجميع، معظم مسيحيي دمشق ودوما قُتلوا وتم تهجيرهم إلى بيروت، ودروز لبنان رغم انتصارهم العسكري فقد هُزموا سياسياً وتم ترحيل جزء كبير منهم إلى منطقة السويداء وخسروا نفوذهم التاريخي في الجبل، ومسلمو دمشق استفاقوا بعد ارتكاب المذبحة على هول ما فعلوا، فالمدينة خسرت معظم أسواقها الحيوية وجزءاً كبيراً من أموالها وتجارتها التاريخية، وتحولت لعقودٍ لاحقة من عصب تجاري دولي إلى أشلاء مجتمع ومدينة تحاول لملمة ما يُمكن، أكراد محيط دمشق تم إعدام معظم قادتهم، وتحوّلوا من مجموعة سكانية تحاول أن تُصبح مجتمعاً إلى مرتزقة بيد السلطان.
اليوم لم نتعلم، ولم نعلم ولا نريد أن نعلم بأن الإبادة بمفهومها ليست فقط تجلب العار لأجيال، بل تجلب الكارثة على مرتكبها كما على من تم ارتكابها بحقّه، وهل لنا في إبادة الأيزيديين بالأمس القريب من مثالٍ أوضح؟ هذه نتائج التعميم والكسل عن التفكير، واستخدام الإلغاء وسيلةً لحلّ المشاكل، كوارث تلحق كوارث وأجيالٌ تلهث وراء أجيال، إلى درجةٍ أصبح الحديث عن التطوّر أمراً مُثيراً للضحك، فأهل هذه البلاد لا يريدون التطو ويرفضونه، كما يرفض الظلام نور الصباح.

الكلمات المفتاحية:

جبل لبنان، الدولة العثمانية، الدروز، الموارنة، دمشق، باب توما

التصنيفات:

Opinion

جاري التحميل...