انسحاب أمريكي من الشدادي والتنف… تحوّل استراتيجي يعيد رسم معادلات الشرق السوري - أوسكار نيوز

بتسليم قاعدة الشدادي وإخلاء التنف، تطوي واشنطن صفحة جديدة من وجودها العسكري في سوريا، تاركةً خلفها أسئلة كبرى حول مستقبل “قسد”، والممر الإيراني، وتوازنات الشمال الشرقي. فماذا نعرف عن القاعدتين ولماذا كانتا بهذه الأهمية؟

انسحاب أمريكي من الشدادي والتنف… تحوّل استراتيجي يعيد رسم معادلات الشرق السوري - أوسكار نيوز

أوسكار نيوز/ سوريا
إعداد/ مهند الساير
في خطوة تحمل أبعاداً تتجاوز حدود الجغرافيا العسكرية، أعلنت دمشق تسلّم قاعدة الشدادي شمال شرقي سوريا، عقب تنسيق مع القوات الأمريكية، وذلك بعد أيام قليلة من إخلاء واشنطن قاعدة التنف الواقعة عند المثلث الحدودي السوري–الأردني–العراقي. تطورٌ يعيد فتح ملف الوجود الأمريكي في سوريا، ويطرح تساؤلات حول مستقبل التوازنات في منطقة طالما شكّلت بؤرة تنافس إقليمي ودولي.
الوجود العسكري الأمريكي في سوريا بدأ عام 2014 ضمن إطار التحالف الدولي لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية، بعد سيطرة التنظيم على مساحات واسعة من العراق وسوريا. ورغم إعلان هزيمته عسكرياً في العراق عام 2017 وفي سوريا عام 2019، أبقت واشنطن على قواتها في مواقع استراتيجية شرق البلاد وجنوبها، مبررة ذلك بملاحقة الخلايا النائمة ومنع عودة التنظيم.
اليوم، ومع تسليم الشدادي وإخلاء التنف، يبدو أن مشهد الانتشار الأمريكي يدخل مرحلة جديدة.
الشدادي… عقدة الشرق
تقع قاعدة الشدادي في ريف الحسكة الجنوبي، عند نقطة وصل حيوية تربط محافظة الحسكة بدير الزور. ومنذ عام 2016، شكّلت القاعدة مركزاً رئيسياً لعمليات التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة، كما ضمّت منشآت احتجاز لعناصر من التنظيم كانوا تحت إشراف قوات سوريا الديمقراطية (قسد).
تكمن أهمية الشدادي في موقعها الجغرافي القريب من مناطق النفط والطرق الحيوية شرق الفرات، ما جعلها نقطة ارتكاز لوجستية وعسكرية. ومع انتقال السيطرة عليها إلى الحكومة السورية، تتبدّل معادلات النفوذ في منطقة كانت تُعدّ إحدى أبرز ركائز الحضور الأمريكي.
التنف… بوابة الصحراء وحسابات الإقليم
أما قاعدة التنف، فتمثل بعداً مختلفاً في الحسابات الاستراتيجية. تقع في عمق البادية السورية قرب الطريق الدولي دمشق–بغداد (M2)، وهو شريان حيوي يربط العاصمتين ويمتد ضمن مسار تعتبره طهران جزءاً من ممر بري يصلها بلبنان عبر العراق وسوريا.
منذ عام 2016، استخدمت واشنطن القاعدة كنقطة تدريب ودعم لفصيل “جيش مغاوير الثورة”، كما فرضت منطقة عسكرية محظورة بقطر يقارب 55 كيلومتراً حولها، ما جعلها مركز مراقبة وتحكم في مساحة صحراوية واسعة.
الانسحاب من التنف لا يُقرأ فقط كتحرك عسكري، بل كرسالة سياسية ضمن سياق تنافس إقليمي معقد، خاصة في ظل احتدام الملفات المرتبطة بإيران والعراق وشرق المتوسط.
تقليص أم إعادة تموضع؟
تتحدث تقارير إعلامية أمريكية عن دراسة خيار الانسحاب الكامل أو تقليص عدد القوات إلى بضع مئات، بعد أن كان يُقدّر عددها بنحو 1500 إلى 2000 جندي في فترات سابقة. ووفق المعطيات المتداولة، بات الوجود الأمريكي محصوراً في قواعد محدودة شمال شرقي سوريا ضمن مناطق سيطرة “قسد”، أبرزها رميلان وقصرك.
هذا التحول يفتح الباب أمام عدة سيناريوهات:
تعزيز موقع دمشق في التفاهمات الداخلية، خصوصاً مع “قسد”.
إعادة رسم خريطة النفوذ العسكري شرق الفرات.
اختبار قدرة الأطراف المحلية على إدارة ملف معتقلي تنظيم الدولة وخلاياه النشطة.
انعكاسات محتملة على التوازن الإقليمي بين واشنطن وطهران.
مشهد مفتوح على الاحتمالات
ورغم تأكيد القيادة الأمريكية استعدادها للتعامل مع أي تهديدات محتملة من تنظيم الدولة، فإن الانسحاب من موقعين بحجم الشدادي والتنف يعكس تحوّلاً واضحاً في أولويات الانتشار العسكري.
هل هو انسحاب تكتيكي ضمن إعادة توزيع أوسع للقوات الأمريكية في المنطقة؟ أم خطوة تمهّد لإنهاء مرحلة كاملة من الوجود العسكري المباشر في سوريا؟
في شرقٍ اعتاد تبدّل الخرائط سريعاً، يبقى الثابت الوحيد أن كل انسحاب يعيد ترتيب خطوط النفوذ… ويفتح فصلاً جديداً في معادلة لم تستقر بعد.

الكلمات المفتاحية:

قاعدة الشدادي، قاعدة التنف، شرق سوريا، قسد، التحالف الدولي، تنظيم الدولة

التصنيفات:

Syria

جاري التحميل...