أوسكار نيوز/ رأي
بقلم/ ناهد دونا
في اللّحظات التي تتحوّل فيها التَّوتُّرات السِّياسيَّة إلى واقعٍ عسكريٍّ مفتوحٍ، تسقط الكثير من الأساطير دفعةً واحدةً، وتنكشف الفجوة الهائلة بين ما يُقال في الخطابات العلنيَّة، وما يحدث فعلاً في سماء المعركة، ومع بداية المواجهة الجويَّةِ الواسعة بين الولايات المتّحدة وإسرائيل من جهةٍ، وإيران من جهةٍ أخرى، لم يكن الحدث مجرَّدَ عمليَّةٍ عسكريَّةٍ جديدةٍ في الشَّرق الأوسط، بل اختباراً عمليّاً لأكثر قضيَّةٍ جرى الجدل حولها منذ حرب الإثني عشر يوماً: هل تستطيع منظومات الدِّفاع الجوي الروسيَّة والصّينيّة كسر التفوُّق الجوي الأمريكي، أم أنَّ ميزان القوّة العالميِّ حُسم منذُ زمنٍ بعيدٍ دون اعترافٍ صريحٍ بذلك؟
منذ صيف عام 2025، وبعد انتهاء حرب الإثني عشر يوماً التي تعرّضت خلالها البنية العسكريّة الإيرانيَّة لضرباتٍ دقيقةٍ ومركّزةٍ استهدفت الرّادارات، ومراكز القيادة، ومنظومات الدِّفاع الجوي الثّابتة، بدأت طهران حملةَ إعادة تسليحٍ عاجلةٍ، وأعلنت القيادة الإيرانيّة حينها دخول مرحلة ردعٍ جديدةٍ، مؤكِّدةً أنّها أعادت بناء شبكة دفاعٍ جويٍّ متعدِّدة الطّبقات مدعومةً بتقنيَّاتٍ روسيَّةٍ وصينيَّةٍ حديثةٍ، وأنّ المفاجأة المقبلة ستُغيّر قواعد الاشتباك.
نظريَّاً بدا المشهد وكأنّ إيران أعادت تشكيل مظلَّةٍ دفاعيَّةٍ قادرةٍ على جعل أيِّ هجومٍ جويٍّ مكلفاً للغاية، لكنَّ الاختبار الحقيقيَّ للحروب لا يحدث في التّصريحات، بل في أوَّل موجةِ غاراتٍ، وهناك تحديداً بدأت الصُّورة تتغيّر جذريّاً.
بعد الحرب مباشرةً اتّجهت إيران نحو موسكو لتعويض الخسائر السّريعة التي لحقت بدفاعاتها، فحصلت على واحدةٍ من أكبر صفقات الدِّفاع الجويِّ قصير المدى في تاريخها الحديث، عبر منظومات Verba المحمولة على الكتف، مع نحو خمسمئة منصَّةِ إطلاقٍ، وآلاف الصَّواريخ من طراز 9M336.
اختيار هذا النّوع لم يكن صدفةً؛ فالحرب أظهرت أنّ البطَّاريات الكبيرة الثّابتة أصبحت أهدافاً سهلةً، بينما تمنح الأنظمة المحمولة قدرةَ انتشارٍ مرنةٍ يصعب رصدها، أو تدميرها مسبقاً، بالتّوازي بدأت روسيا تسليم مروحيّاتٍ هجوميَّةٍ من طراز Mi-28 لتعزيز الدِّفاع عن المنشآت الحيويَّة، ودعم العمليّات البريّة، إضافةً إلى مساهمةٍ تقنيَّةٍ في إعادة تشغيل شبكات الدِّفاع الجويِّ التي تضرَّرت خلال الضّربات المكثّفة.
في الاتّجاه الآخر، تسارعت الشّراكة العسكريّة مع الصّين بصورةٍ لافتةٍ، وأبرز ما سعت إليه إيران كان صواريخ CM-302 الأسرع من الصَّوت المضادّة للسُّفن، بمدى يقارب 300 كيلومتراً، وقدرةٍ عاليةٍ على الطيران المنخفض وتجاوز الرّادارات؛ هذه الصّفقة عكست تحوُّلاً استراتيجيَّاً واضحاً، فبدلاً من محاولة منافسة التفوُّق الجويِّ الأمريكي مباشرةً، بدأت طهران الاستثمار في تهديد الأساطيل البحريّة، ورفع كلفة أيِّ وجودٍ عسكريٍّ في الخليج العربي، كما توسَّع التَّعاون ليشمل طائراتٍ مسيّرةً هجوميّةً، وأنظمة دفاعٍ جويٍّ متوسِّطة المدى من عائلة HQ، إضافةً إلى دعمٍ تقنيٍّ في مجالات الفضاء والاستشعار.
لكن الأهمَّ والأخطرَ من ذلك، هو إدراكُ القيادة العسكريّة الإيرانيّة أنَّ المشكلة الأساسيّة لم تكن يوماً في نقص الصَّواريخ، أو منصّات الإطلاق، بل في بدائيّة طبقة الإنذار المبكِّر التي شُلّت منذ اللّحظات الأولى للضّربات الجويّة السّابقة، ولهذا اتّجهت طهران نحو بكّين لإعادة بناء ما يمكن وصفه بالعين الرّاداريّة الجديدة للدِّفاع الجوي، فحصلت على راداراتٍ متخصِّصةٍ في كشف الطّائرات الشبحيّة، تعتمد على تردُّداتٍ منخفضةٍ تختلف جذريّاً عن الرّادارات التّقليديّة، وفي مقدِّمة هذه الأنظمة برز رادار YLC-8B بعيد المدى، وهو رادارٌ ثلاثيُّ الأبعاد يعمل ضمن نطاق UHF منخفض التّردُّد، صُمِّم خصّيصاً لاكتشاف الأهداف ذات البصمة الرّاداريّة الصّغيرة، ويمنح قدرةَ إنذارٍ مبكِّرٍ على مسافاتٍ بعيدةٍ، تسمح برصد اقتراب الطّائرات الشبحيّة قبل وصولها إلى مناطق الاشتباك.
وإلى جانبه جرى إدخال رادار JY-27A العامل بتقنيّة VHF، والذي يعتمد على أطوالٍ موجيّةٍ طويلةٍ قادرةٍ على التقاط التّشوُّهات التي تتركها الطّائرات منخفضة المقطع الرّاداري في المجال الكهرومغناطيسي، ما يجعله مناسباً نظريّاً لرصد مقاتلات الجيل الخامس التي صُمِّمت أساساً لمراوغة الرّادارات التّقليديّة عالية التَّردُّد.
سعت إيران من خلال الجمع بين هذين النِّظامين إلى إنشاء شبكةِ كشفٍ متعدِّدة التَّردُّدات، بحيث تعمل الرّادارات منخفضة التّردُّد على الاكتشاف الأوّلي بعيد المدى، ثم تُنقل البيانات إلى أنظمة دفاعٍ أخرى لمحاولة تتبُّع الهدف والاشتباك معه، وهذا التحوُّل عكس تغييراً واضحاً في العقيدة الدِّفاعيّة الإيرانيّة بعد الحرب، إذ لم يعد التّركيز مُنصبَّاً على زيادة عدد الصّواريخ، بقدر ما أصبح موجَّهاً نحو استعادة القدرة على رؤية التّهديد مبكِّراً، بعدما أثبتت المواجهة أنَّ الدِّفاع الجوي الذي يفقد الرُّؤية في بداية المعركة يفقد القدرة على القِتال مهما امتلك من منظوماتِ إطلاقٍ متقدِّمةٍ.
كانت إيران ومن خلفها روسيا والصِّين من أوائل المتشوِّقين لاندلاعٍ حربٍ جديدةٍ، يستعرضون فيها آخر ما توصَّلوا إليه من منظومات التّسليح والدّفاع الجوِّي، وهذا ما برَّر تعنُّتَ إيران في المفاوضات، وعدم قبولها بتنازلاتٍ حقيقيَّةٍ؛ ليقينها أن أوَّل 50 طائرةٍ شبحيَّةٍ ستسقط في سماءِ الخليج العربي قبل الوصول إلی طهران، ولعلمها أنَّ أوَّل حاملةِ طائراتٍ ستَغْرَق في قاع بحر العرب، بفضل الصَّواريخ الصّينيّة الخارقة للطَّبيعة والفيزياء.
غير أنّ المشكلة لم تكن يوماً في كميّة السِّلاح بقدر ما كانت في طبيعة الحرب نفسها، فالحرب الجويّة الحديثة لم تعد صراعاً بين طائرةٍ وصاروخٍ، بل بين منظومتين معرفيّتين كاملتين! الولايات المتّحدة لا تدخل أيّ ساحةٍ بطائراتٍ فقط، بل بشبكة قتالٍ تبدأ بالأقمار الصِّناعية، وتنتهي بذخائر ذكيَّةٍ قادرةٍ على تعديل مسارها أثناء الطَّيران! وقبل وصول المقاتلات أصلاً، تكون الحرب الإلكترونيّة قد بدأت بالفعل عبر طائراتٍ مثل EA-18G Growler التي تشوِّش الرّادارات، وتعطِّل الاتّصالات، بينما تتقدّم الطّائرات الشبحيّة مثل F-35 Lightning II، وF-22 Raptor داخل المجال الجوي ببصمةٍ راداريَّةٍ شبه معدومةٍ، فتتحوَّل الدِّفاعات الجويَّة إلى منظومةٍ ترى بوضوحٍ، لكنَّها لا تستطيع التَّصويب، وتسمع صوتَ الصاروخِ الموجَّهِ إليها، وتستقبلهُ بخضوعٍ تامٍ دون أيِّ ردَّة فعلٍ.
إيران رغم إعادة التّسليح، بقيت تعتمد على خليطٍ غير متجانسٍ من الأنظمة الروسيَّة والصّينيّة والمحليّة، وأبرز هذه الأنظمة كان S-300PMU-2 الذي طوَّرته شركة Almaz-Antey، وهو نظام صُمِّم في عصرِ الحَرْبِ بالمنجنيقات، ويُلائمُ زمناً مختلفاً كانت فيه الطَّائرات التّقليديّة هي التّهديد الرّئيسي، وإلى جانبه عملت منظومات Tor-M1 قصيرة المدى، ورادارات إنذار مبكِّر صينيَّة مشتقّة من عائلة JY، إضافةً إلى منظومة باور-373 المحلَّية التي رُوِّج لها كبديلٍ متقدِّمٍ، لكن إدخال منظومات Verba المحمولة، والأنظمة الصِّينيّة الجديدة، زاد من تعقيد الشَّبكة بدلاً من توحيدها، إذ أصبحت تعتمد على مصادر تقنيَّة مُتعدِّدةٍ لا تعمل ضمن بنيةٍ رقميَّةٍ واحدةٍ.
المشكلة الجوهريَّة لم تكن في الصَّواريخ، أو الرّادارات بحدِّ ذاتها، بل في غياب التّكامل الشَّبكي الحقيقي بينها، فالدِّفاع الجويُّ الحديث يحتاج إلى منظومةِ قيادةٍ رقميَّةٍ فائقة السُّرعة قادرةٍ على دمج آلاف البيانات في الزَّمن الحقيقي، وهنا يظهر الفارق الحاسم؛ فالقوَّة الأمريكيّة لا تعتمد على منصَّةٍ واحدةٍ متفوِّقةٍ، بل على نظامِ قتالٍ شبكيٍّ كاملٍ يجعل كلَّ طائرةٍ ورادارٍ وقمرٍ صناعيٍّ جزءاً من عقلٍ قتاليٍّ واحدٍ، وعندما تُضرب مراكز القيادة، أو تُشوَّش قنوات الاتّصال، تتحول أفضل البطّاريّات الدِّفاعيّة مهما كان مصدرها إلى مجموعةِ خُرذةٍ تُشكِّلُ عبئاً تشغيليّاً مكلفاً لا جدوی منه.
المفارقة التّاريخيّة أن إيران ما تزال تستخدم معدَّاتٍ أمريكيَّةً تعود إلى ما قبل ثورة 1979، وعلى رأسها مقاتلات F-14 Tomcat، التي طوَّرتها شركة Grumman Aerospace، إضافةً إلى صواريخ AIM-54 Phoenix بعيدة المدى، ورادارات أرضيّة أمريكيّة جرى تحديثها محليَّاً، واستمرار هذه المعدّات لعقودٍ طويلةٍ يكشف حقيقةً صناعيَّةً نادراً ما تُذكر: ألا وهي أنَّ جودة التّصميم، والبنية الهندسيّة الأمريكيّة هي التي سمحت لها بالبقاء فعَّالةً رغم الحصار والعمر الطَّويل، وهو مؤشِّرٌ عميقٌ على الفارق الصِّناعي بين المدارس العسكريّة العالميّة.
ما يحدث في أيِّ ضربةٍ جويَّةٍ واسعةٍ لا يبدأ بتدمير الدِّفاعات مباشرةً، بل بإغراقها أوّلاً بمئات الأهداف في وقتٍ واحدٍ: طائراتٌ مأهولةٌ، ومسيّرات، وصواريخ كروز، إضافةً لأهدافٍ خدّاعةٍ إلكترونيّة، وإشاراتٍ مزيَّفةٍ، فيدخل النِّظام الدِّفاعي في حالة تشبُّعٍ حسابيٍّ قبل أن يبدأ القتال الحقيقي، وهنا لا يعود السُّؤال كم صاروخاً تملك الدَّولة، بل كم هدفاً تستطيع معالجته في الثّانية الواحدة، هذا إنْ استطاعت رصدها أصْلاً، والتفوُّق الأمريكيُّ بُني تحديداً حول هذه النُّقطة منذ حرب الخليج الأولى، حيث أصبحت إدارة البيانات أهمُّ من السِّلاح نفسه.
قدَّمت التّجربة الأوكرانيَّة مؤشِّراً مبكِّراً على هذا التحوُّل؛ فرغم كثافة الدّفاعات الروسيّة، لم تستطع منع الضَّربات الدّقيقة بالكامل، ما أثبت أن الدِّفاع الجويَّ التّقليدي أصبحَ وسيلةً لتقليل الخسائر لا لمنع الاختراق، وهذه المنظومات التي لم تستطع الصُّمود أمام أوكرانيا بقوتِّها التَّقليديَّة، كيف ستصمدُ أمام تحالفِ أمريكا وإسرائيل؟
ومن هنا تبرز الحقيقة الأكثر حساسيَّةً في قراءة المشهد العسكري العالمي: مهما بلغت قدرات الصِّين وروسيا من تطوُّر، فإنَّها ما تزال تعمل ضمن فلسفةٍ قتاليَّةٍ متأخِّرةٍ مقارنةً بالبنية التُّكنولوجيّة الأمريكيّة، فالفارق لم يعد في سرعة الصَّاروخ فرط الصّوتي، أو مدى الرَّادار، بل في البرمجيّات، ودمج الذّكاء الاصطناعي بالتّكنولوجيا العسكريّة، ومعالجة البيانات الضّخمة، وإدارة الحرب متعدِّدة المجالات في آنٍ واحدٍ، ولهذا فإنّ الاعتماد على مجموعةٍ من التَّنَكِ الروسي الصِّيني لخوض مواجهةٍ مباشرةٍ مع حاملات الطَّائرات الأمريكيّة، يشبه بناءَ سدٍّ من الورقِ علی مجری نهرٍ جارفٍ؛ إذْ تتحوَّل كثيرٌّ من هذه الأنظمة مهما بدا شكلها متقدِّماً، إلى مجردَّ هياكلَ تدريبيَّةٍ ثابتَةٍ يتسلّی بها طيران العدوِّ!
إنَّه عصر الحرب الرقميَّة والخوارزميَّات! العصر الذي تصبِحُ فيهِ أعتی التَّرساناتِ العسكريَّة عاجزةً أمام منظومة العِلْمِ التي ترى المعركة قبل وقوعها، وتعيد تشكيلها أثناء حدوثها، والدَّرس الذي فرضته حرب الإثني عشر يوماً وما تلاها من إعادة تسليحٍ إيرانيَّةٍ قاسٍ وواضحٌ في آنٍ واحدٍ! الرّدع لم يعد يُبنى بشراء بطَّاريات صواريخَ، أو راداراتٍ بعيدة المدى، بل بامتلاك منظومةٍ معرفيَّةٍ عسكريَّةٍ كاملةٍ قادرةٍ على إنتاج التّكنولوجيا، وتحديثها، ودمجها ضمن شبكة حربٍ متكاملةٍ.
الدُّول التي تعتقد أنّ استيراد السِّلاح وحده يمنحها توازناً استراتيجيَّاً مع واشنطن تكتشف متأخِّرةً أنّ الفجوة ليست في المعدّات، بل في النِّظام العلميِّ والتّكنولوجي الذي يقف خلفها، والدُّروس القاسية لا تُكتسَبُ إلّا من تجارب فاشلةٍ، لكنَّ السُّقوط الحقيقي ليس نتيجةً لتغيُّر الظُّروفٍ الدُّولية، أو ناجماً عن خوضِ معركةٍ غير متكافئةٍ، بل هو نتيجةٌ حتميَّةٌ للغباء السِّياسيِّ، والوقوع في الفخِّ نفسِهِ مرَّات متتاليةٍ.
في النَّهاية، ما كشفتهُ هذه الحربُ في ساعاتها الأولی، وما ستكشفهُ في الأيّام القادمة هي حقائق جيوسياسيّة أوسعُ بكثيرٍ ممّا هو معلنٌ: التَّفوُّق العسكريُّ الأمريكيُّ لم يعد تفوُّق منصَّةٍ على منصَّةٍ، بل تفوُّقُ عصرٍ كاملٍ من التكنولوجيا، على حقبةٍ متهالكةٍ من الخُرذة، ومن يراهن على أنَّه - بامتلاك منظوماتٍ روسيَّةٍ أو صينيَّةٍ مهما تضاعفت صفقاتها بعد الحروب - قادرٌ على تغيير ميزان القوّة في مواجهة الولايات المتّحدة الأمريكيَّة، كمن راهنَ منذُ زمنٍ بعيدٍ علی صمود القوس والنّشّاب أمام البندقيّة والمدفع.